الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


طوفان الأقصى 664 - فلسطين تفجّر الغرب: صراع العواصم الغربية بين الأخلاق والمصالح في لحظة غزة

زياد الزبيدي

2025 / 7 / 31
مواضيع وابحاث سياسية


إعداد وتحليل د. زياد الزبيدي

1 أغسطس 2025

مقدمة: غزة تكسر صمت الغرب

لم تعد فلسطين مجرد قضية مؤجلة في ضمير الغرب، ولا أزمة إنسانية عابرة. فمع إشتداد المجاعة في قطاع غزة، وإزدياد عدد القتلى من المدنيين، إنكشفت هشاشة الإجماع الغربي التقليدي، وبدأت العواصم الأوروبية في الإنشقاق العلني حول الموقف من الإعتراف بدولة فلسطين. ماكرون يقود الهجوم، وستارمر يلتحق مضطرًا، وترامب يراوغ، وبرلين... تترقب وتضع شروطها. وتضج الصحافة الروسية بالعديد من المقالات والتحليلات السياسية حول إعلان الدول الغربية المؤثرة الإعتراف بفلسطين، وقد رأينا مراجعة عدد منها لأهميتها حيث تظهر كيف أصبحت فلسطين معيارًا لتفكك الإجماع الغربي، وسط صراع مصالح، ومآسي إنسانية، وتحولات جيوإستراتيجية.

الفصل الأول: ماكرون – مقامر أم رائد؟

في أبريل 2025، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه ينوي الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين في الأمم المتحدة. هذا الإعلان لم يكن فقط دبلوماسيًا، بل تحديًا علنيًا للولايات المتحدة. صحيفة فزغلياد الألكترونية الروسية نقلت عن أحد المحللين قوله: "ماكرون يحاول إستثمار هذا الإعتراف لتهدئة الداخل الفرنسي، حيث الجالية الشرق أوسطية والمجتمع الليبرالي يميل إلى مناصرة فلسطين، لكن الأهم أنه يناور لإنتزاع زعامة أوروبية في ملف الشرق الأوسط".

فرنسا التي تحتضن جالية عربية واسعة، ومع طبقة سياسية متغيرة، باتت أكثر إستعدادًا لمواجهة "التابو الإسرائيلي" داخل الغرب. وبهذا تكون باريس أول من كسر صفّ التحالف الغربي التقليدي.

الفصل الثاني: ترامب وستارمر... المجاعة تُحرج الحلفاء

في أعقاب إعلان ماكرون، سارع ترامب إلى التقليل من أهميته قائلًا: "تصريحاته لا قيمة لها".

لكن خلف الأبواب المغلقة، وفقًا لما ذكرته صحيفة روسيسكايا غازيتا الروسبة، تغير الموقف الأمريكي نسبيًا بعد حديث هاتفي مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي أشار إلى أن تفاقم الجوع في غزة قد يُفشل ترشيح ترامب لـ"نوبل السلام". رد ترامب كان لافتًا: "أريد أن يحصل الناس في غزة على طعام. هذه هي الأولوية رقم واحد".

وهكذا وجد ستارمر الفرصة سانحة للتحرك. أكثر من 250 نائبًا بريطانيًا طالبوا باعتراف رسمي بدولة فلسطين خلال إجتماع الأمم المتحدة. بينما جمّد ستارمر موقفه طويلًا، ورفض ما وصفه سابقًا بـ"الخطوة الإستعراضية"، إلا أن الكارثة في غزة غيرت قواعد اللعبة.

الفصل الثالث: نتنياهو... ضغوط الداخل والخارج

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش مأزقًا حقيقيًا. من جهة، يضطر للموافقة على إيصال المساعدات لقطاع غزة، رغم معارضة "شركائه المتطرفين" في الحكومة. ومن جهة أخرى، يرى إعتراف أوروبا بدولة فلسطين تهديدًا وجوديًا، كما عبّر وزير خارجيته غدعون ساعر: "الإعتراف بفلسطين يعني إنتحارًا سياسيًا لإسرائيل".

ورغم إعلانه وقفًا جزئيًا للعمليات في بعض المحاور الإنسانية، فإن نتنياهو يواجه خطر تفكك حكومته الائتلافية، خاصة بعد إرتفاع عدد القتلى الإسرائيليين من هجمات حماس.

الفصل الرابع: ألمانيا – الموازنة بين تل أبيب وضمير أوروبا

جاءت المفاجأة من برلين. ففي 31 يوليو، نشرت وكالة Bloomberg تقريرًا نقله موقع صحيفة إزفستيا الموسكوفية، يشير إلى أن ألمانيا قد تعترف بدولة فلسطين في حال أقدمت إسرائيل على ضم الضفة الغربية رسميًا. وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول صرّح: "بالنسبة لألمانيا، فإن الإعتراف بفلسطين هو المرحلة الأخيرة من عملية يجب أن تبدأ الآن، ونحن لن نتراجع عن هدف إقامة الدولتين".

هذا التصريح يفتح الباب أمام تغيير تدريجي في موقف برلين، الذي كان تقليديًا الأكثر إنحيازًا لإسرائيل. ألمانيا لا تزال ترى أن الإعتراف يجب أن يكون جزءًا من إتفاق شامل، إلا أن لهجتها تغيرت، ومبادرتها الدبلوماسية المتوقعة في رام الله وتل أبيب تعكس محاولة إعادة تموضع وسط تغير التوازنات في أوروبا.

خاتمة: غزة تفجّر الإجماع الغربي... وفلسطين تصبح إختبارًا للضمير الأوروبي

خلال عقود، ظل الإعتراف بفلسطين مجرد ورقة تفاوض، لا تتجاوز حدود المجاملات الدبلوماسية. اليوم، ومع صور المجاعة المنقولة من غزة مباشرة إلى شاشات العواصم الغربية، أصبح السكوت تواطؤًا. وهكذا تتحرك أوروبا – فرادى – نحو خطوات متباينة:
- فرنسا تتزعم خط الإعتراف المباشر.
- بريطانيا تتردد لكنها تتجاوب تحت ضغط البرلمان.
- ألمانيا تضع شروطًا لكنها لا تُغلق الباب.
- الولايات المتحدة تناور وتراهن على الوقت.
- إسرائيل تهدد وتناور وتغلي داخليًا.

إننا أمام مشهد يعكس تغيرًا عميقًا في بنية النخب الغربية، وتراجع تأثير اللوبيات التقليدية، وصعود وزن الجاليات العربية والمسلمة، مع تحوّل فلسطين من "قضية" إلى رمز أخلاقي وإختبار حضاري.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيكون إعتراف أوروبا بدولة فلسطين نقطة تحول جيوسياسية حقيقية؟
أم مجرد إستجابةً متأخرة لصورة طفل جائع على شاشة بلا ضمير؟.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين تونس والعالم: أين تتجه بوصلة الطالب التونسي في زمن الذكا


.. ليبيا ما قبل التاريخ: رسومات صخرية تروي قصة بشرية مهدّدة بال




.. الرئيس الصيني يذكر ترامب بـ-فخ ثوسيديدس-.. لماذا؟


.. حداد في أوكرانيا بعد هجوم روسي مكثف أوقع 8 قتلى و45 جريحا




.. فرنسا: لترميم تراثها.. كنيسة سان-غيوم في ستراسبورغ تفتح أبوا