الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التغير المناخي في العراق وأثره في تفاقم الأزمة المائية
خالد محمود خدر
2025 / 8 / 1مواضيع وابحاث سياسية
يشهد العراق في السنوات الأخيرة تدهورا متسارعا في موارده المائية، ما جعل أزمة المياه تتصدّر تحدياته الوطنية الكبرى، مهددة حياة السكان ومقوّضةً ركائز التنمية الزراعية والاقتصادية، ومهددة في الوقت ذاته لاستقرار المجتمع. وفي صميم هذه الأزمة المتفاقمة ، يتموضع عامل بالغ الخطورة، يتمثل في التغير المناخي، الذي لم يعد مجرد تهديد مستقبلي بل أصبح واقعا يوميا يضغط على البلاد بأبعاده البيئية والاقتصادية والسياسية.
بات العراق يشهد تجليات واضحة للتغير المناخي، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق، وتكرار موجات الجفاف، والانخفاض الحاد والمستمر في معدلات الأمطار. وقد ترافقت هذه التغيرات مع موجة جفاف حادة طالت سنوات متتالية، تركزت آثارها في المحافظات الجنوبية، حيث سجّلت مدن مثل البصرة درجات حرارة تُعدّ من الأعلى في العالم، متجاوزة حاجز الـ50 درجة مئوية في بعض المناطق خلال صيف هذا العام والأعوام الماضية.
هذا التصاعد في درجات الحرارة ساهم في تسارع معدلات التبخر من الأنهار والمسطحات المائية و خزانات السدود ، ما أدى إلى انخفاض خطير في كميات المياه المتاحة للري ومياه الشرب، الأمر الذي فاقم هشاشة الأمن المائي، وجعل العراق من أكثر الدول تأثرا بالتغيرات المناخية في المنطقة.
وفق بيانات وزارة الموارد المائية، يُعدّ العام الحالي 2025 الأكثر جفافًا منذ عام 1933، حيث تراجعت إيرادات نهري دجلة والفرات إلى 27% مقارنة بالعام الماضي، وانخفض مخزون المياه في السدود إلى 8% فقط من قدرتها التخزينية، أي بنسبة تراجع بلغت 57%.
كما هبطت الإيرادات المائية الكلية للعراق من نحو 70 مليار متر مكعب إلى 40 مليارا فقط، ومن المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد من المياه إلى 479 مترا مكعبا سنويا بحلول عام 2030، وهو رقم خطير مقارنة بمعيار منظمة الصحة العالمية البالغ 1700 متر مكعب للفرد سنويا.
لم تقتصر آثار الجفاف على تقليص كميات مياه الري، بل طالت الزراعة الديمية في الشمال والغرب، التي تعتمد على الأمطار، والتي أصبحت مواسمها متقلبة وعشوائية، ما جعل التخطيط الزراعي شبه مستحيل.
وقد تراجعت المساحات المزروعة بنسبة تقارب 50% خلال السنوات الأخيرة، واضطرت الدولة إلى تقليص بل والغاء الخطة الزراعية الصيفية هذا العام، مقتصرة على ري المزروعات القديمة وضمان كفاية مياه الشرب فقط للمواطنين
في مناطق عديدة تعتمد على الأنهار الفرعية، لم تصل المياه منذ أكثر من أربعة أشهر، ما أدى إلى تدهور حياة المزارعين الذين فقدوا مورد رزقهم الأساسي.
لا تكمن أزمة المياه في الجفاف وحده، بل في غياب إدارة فعالة للموارد المائية داخليا. أن سوء التخطيط حال دون استثمار سنوات الوفرة المائية، مثل ارتفاع مخزون سد الموصل في السنوات السابقة، والذي وصل إلى 325 مترا، متجاوزا الحد الآمن (321 مترًا).
كما أن سوء التخطيط حال دون إنشاء سدود وخزانات متوسطة أو صغيرة الأحجام لاستثمار سنوات الوفرة المائية في ربيع سنوات سابقة ، سقطت فيها أمطار كثيرة فاضت من أراضي دول الجوار ومن وديان ومجاري مائية داخلية كثيرة ، حدا تسببت بخسائر اقتصادية في مواقع وأماكن كثيرة داخل العراق.
هذه المؤشرات لو تم توظيفها باستراتيجية سليمة، لكانت قد خفّفت من حدة الأزمة الحالية.
تفاقمت أزمة المياه أيضا نتيجة السياسات المائية المجحفة لدول المنبع (تركيا وإيران)، التي أقامت المئات من السدود على نهري دجلة والفرات وروافدهما، مع تحويل مجرى عدد كبير من الأنهار.وبات العراق ضحية لسياسات مائية لا تراعي الحقوق التاريخية فحسب ، بل تتقاطع مع موجة تغيّر مناخي قاسية تضرب البلاد في العمق، وكأن دول الجوار في سباق مع الطبيعة على إفقار العراق مائيا لتحقيق غاياتها الاقتصادية والتجارية مع العراق ، و التي بات أثرها هي الأخرى واضحا.
لا تقتصر الأزمة على الجوانب البيئية، بل تتعداها إلى تهديد الأمن الغذائي، وتعزيز معدلات التصحر، ودفع مئات الأسر إلى هجرة قراها نحو المدن بحثا عن سبل للعيش، مما زاد من الضغط على البنى التحتية والخدمات في المدن.
كما ظهرت بوادر نزاعات عشائرية في بعض المناطق بسبب شح المياه، وازداد الاعتماد العشوائي على الآبار غير المرخصة، ما تسبب في استنزاف المياه الجوفية بشكل خطير.
أزمة المياه في العراق أزمة مزدوجة، سببها تغيّر المناخ من جهة، وسوء الإدارة الداخلية وسياسات دول الجوار من جهة أخرى. إن ما تبقى من ماء لا يكفي، لكن ما يمكن أن يتم فعله اليوم كفيل بإنقاذ الغد.
إن مستقبل العراق المائي لن يُبنى على الأمنيات، بل على ما يحسن صنعه الآن من قرارات، وتحركات دبلوماسية، وإصلاحات حقيقية تحمي كل قطرة ماء، وتحفظ للأجيال القادمة حقها في الحياة والكرامة.
هكذا بات التغير المناخي أمرا واقعا لا يمكن تجاهله. والحلّ لا يكمن في انتظار عودة الأمطار او تدفقات مائية مفاجئة من دول الجوار لأيام معدودة لا يمكن معها وضع سياسة مائية او خطة زراعية ، بل يكون الحل في تحرك عاجل على أكثر من مستوى يتجلى في ما يأتي:
1- البدء بمفاوضات دبلوماسية جادة مع دول المنبع لضمان حقوق العراق المائية، على أسس عادلة وشفافة.
2- إصلاح منظومة إدارة المياه داخل العراق وتقليل الهدر، وتحديث البنية التحتية الخاصة بالمياه.
3- إعادة النظر في السياسات المائية ، وتبنّي خطط تكيف مناخي طويلة المدى، تشمل دعم الزراعة الذكية واعتماد طرق الري بالرش والتنقيط.
4- نشر ثقافة ترشيد استهلاك المياه في المجتمع وإشراك المواطنين في الحفاظ على هذا المورد الحيوي.
5- إصدار قوانين صارمة لحماية الموارد المائية، وتنظيم حفر الآبار واستخدام المياه الجوفية.
6- التخطيط لإنشاء سدود متوسطة أو صغيرة الأحجام لاستثمار سنوات الوفرة المائية التي تفيض مياه أمطارها من أراضي دول الجوار ومن وديان ومجاري مائية داخلية كثيرة.
7- التخطيط لإنشاء سدود مختلفه الأحجام على نهر الزاب الكبير الذي يساهم عموما باكثر من 40% من مياه نهر دجلة ، خصوص إن ثلاثة أرباع حوض النهر يقع داخل الأراضي العراقية، يكون معه تأثير سياسة تركيا المائية محدودة.
ب. د. خالد محمود خدر
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مؤشرات متزايدة على احتمال عودة التصعيد العسكري بين واشنطن وط
.. قتلى في هجوم أوكراني على مناطق روسية من بينها موسكو
.. استعدادات عسكرية أميركية إسرائيلية.. ماذا ينتظر إيران؟
.. عاجل | أبوظبي الإعلامي: حريق إثر هجوم بمسيرة على محطة براكة
.. بعد توقف لعقود.. استئناف تصدير النفط العراقي عبر سوريا