الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ليكن الجميع القدوة الحسنة كي لا تُختطف الأوطان والإنسان مرة أخرى من قبل الاشرار

خالد محمود خدر

2025 / 8 / 1
المجتمع المدني


بداية، أشير إلى أن هذا المقال يأتي تزامنا مع الذكرى الحادية عشرة للإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش، إثر غزوه لقضاء سنجار في 3 آب 2014، تلاه اجتياح سهل نينوى، مستهدفا الأقليات الدينية، وفي مقدّمتهم الإيزيديون والمسيحيون.

في عالم تُرفع فيه الشعارات الزائفة وتتعالى فيه المزايدات الرخيصة وتختفي الأفعال الجادة ، تبقى القدوة الحسنة خشبة الخلاص الأخيرة.

في وقت كانت تتعالى فيه الأصوات بالدعوات الوطنية ، كانت الأفعال الحقيقية تتراجع إلى الخلف ، مُفسحة المجال لتصاعد الزيف والتواطؤ والغدر. وفي خضم هذا التراجع الأخلاقي ، لا مفرّ من التذكير بأن القدوة ليست ترفا بل ضرورة وجودية ، خصوصا في مجتمعات عانت من الحروب ، ودفعت ثمنا باهظا بسبب غياب الضمير وخيانة الجيرة عندما ركب البعض غير القليل من رجالها الموجة الظلامية مع قوى الارهاب والتطرف بعقلية القطيع ناكرين لقيم الأرض والسماء.

القدوة الحسنة لا تُدرَّس، بل تُرى وتُعاش.
فبناء جيل يؤمن بالمحبة والسلام لا يتحقّق عبر المناهج التربوية المجرّدة، ولا بالخُطب والشعارات فقط، بل من خلال ما يُقدَّم له من نماذج حيّة في التضحية، والإيثار، وشرف المسؤولية، والصدق في الانتخاء.

فالطفل لا يحفظ درسًا في القيم كما يحفظ مشهدًا نبيلًا أو موقفًا شجاعًا يشهده عن قرب؛ إذ قد يكون هذا المشهد سببًا في تغيير واقعه مستقبلًا.
فالعقل الباطن، كما يقول الدكتور إبراهيم الفقي، لا يحتفظ إلا بالرسائل الإيجابية المرتبطة بالحاضر. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون كل إنسان قدوة حسنة في محيطه، لا سيّما عندما تتطلب الظروف حضور النخوة والمروءة ، حين يصبح الاقتداء ضروريًّا بأمثال هؤلاء الكبار في نفوسهم ومواقفهم.

إن غياب الشجعان، أصحاب المروءة والضمير، يفسح المجال لعقلية القطيع أن تسود، وعندها تُسحق ظلمًا نفوس بريئة، ويُهدر الشرف، وتتمزق أوصال العائلات والمجتمعات.
يروي المفكر المصري سلامة موسى قصة ألمانية شهيرة في أحد مؤلفاته مفادها أن سائحان شاهدا حريقا في أطراف قرية من القرى الألمانية. قال أحدهما: هذا لا يعنيني ، بينما ركض الآخر لإخماد النار وإنقاذ ما يمكن.
وعندما عاد سأله زميله : من أمرك أن تخاطر هكذا بنفسك؟
فأجابه: الذي أمرني بذلك ، هو نفسه من أمرني أن أدفن البذرة في الارض لتنبت وتُثمر.
فسأله ثانية : وماذا لو كنت أنت قد دفنت في هذه النار؟
فأجابه الرجل الشهم: سأكون انا حينها تلك البذرة المدفونة.

مثل هذه الأمثال و الحكايات الشعبية وغيرها تغرس في النفوس معنى العطاء والتضحية ، وتُعلّم الصغار أن كل فعل إنساني جاد هو بذرة تمتد جذورها في الزمان والمكان لتثمر عن مواطنين قدوة قادرين في كبرهم على تجاوز المحن وبناء الأوطان.

هذه البذور، هي ما يحتاجه الوطن اليوم. أفعال نبيلة تُزرع في قلوب الأجيال ، لتنبت وعيا إيجابيا ومواطنة مشرفة وكرامة نبيلة.

في 3 آب 2014، حين غزت عصابات تنظيم داعش الإرهابية قضاء سنجار وسهل نينوى ، لم يأت الخطر فقط من الدواعش الذين قدموا من خارج العراق ، بل ممن كان بالأمس جارا أو صديقا او شريكا في المهنة والعيش. خان الجيرة وغدر بالثقة ونهب البيوت وشارك في سبي النساء وقتل الرجال كما حصل مع ايزيديي سنجار. هكذا بسرعة جار الجار و أصبح جلادا وشارك بقسوة في ابادة وتهجير اقليات دينية محسوبة عليه وفق كل الاعراف الوطنية والمجتمعية والدينية والإنسانية.

هكذا في سنجار تم اختطاف أكثر 6400 امرأة وطفل إيزيدي، وتم سبي و استعباد النساء وتجنيد الأطفال قسرا للاعمال الإرهابية من تفجيرات ومفخخات ، فيما أخذ البقية إلى أسواق العبيد التي افتتحها الدواعش في مدن مختلفة سقطت هي الاخرى تحت اياديهم الجبانة ، ليباعوا كما كان يباع الإنسان قبل التاريخ ، بينما سُلبت المدن والمجمعات والقرى من معالمها وأهلها مع أموالهم و ممتلكاتهم.

تم تدمير كل أثر يدل على هوية المكان والمكون، و بان الهدف هو اقتلاع المكوّنات الدينية المختلفة في سنجار وسهل نينوى من جذورها ، كي لا تقوم لهم قائمة ثانية ، فوفق آخر إحصائية أجراها الباحث داؤد ختاري المؤرخ الشهير ومؤلف موسوعة جينوسايد الايزيدية الرابع والسبعين ، نشرها في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) يوم الثلاثاء الماضي 2025/7/29 ، تبين منها أن عدد ضحايا الجينوسايد بلغ 7259 ضحية ، وعدد المختطفات اللواتي لا زلن بايادي الدواعش 1616 من مجموع 5747 مختطفة ومختطف تم إنقاذهم بفدية مالية أو في عمليات تحرير للقوات الامنية ،او وجد الدواعش أنفسهم في موقف تطلب التخلي عنهم لإنقاذ لأنفسهم.

ما يؤلم ايضا في مأساة الإبادة نفسها مع هول ما وقع فيها ، هو أن يكون بين الجيرة من صمت عن الجرائم أو تواطأ معها أو تستر عليها. إن صمت الكثير من أبناء الجيرة جريمة أخرى ، تبقى حاضرة أبدا في الذاكرة الجمعية للمجتمعات المغلوبة على أمرها ، مثلما تبقى بصمة سوداء لا تمحى من جبين هؤلاء النكرة ابدا.

لم يُطلب احدا رسميا من الجيرة هؤلاء قتال الوحوش ، بل فقط كان عليهم هم أن يتذكروا قيم الجيرة والتزاماتها ، بدلا من أن ينظموا للدواعش ويتمادوا في غدرهم ومكرهم الدواعش القادمين من وراء التاريخ والجغرافية في كل ما أتوا عليه.

كم كان مطلوبا منهم بحق الجيرة والوطن والسماء بدلا عن ذلك ، أن يحكموا ضمائرهم وجيرتهم ووطنيتهم ليقودهم ذلك إلى أن يُبلّغوا ، من ما يتوجب أن يبلغوا ، عن أماكن المختطفات بداية كي يتمكن المعنيين من تحريرهم ، و أن يساعدوا الفتيات اللواتي لجأن إليهم بعد ان تقطعت بهن السبل و توسمن فيهم انهم إخوتهم بحق ما يعرف عند الايزيديين بالكرافة او إخوة الدم ، قبل أن يتفاجئن انهم قد غدوا ضباع كاسرة سرعان ما افترسوهن جسدا وروحا قبل الدواعش الغرباء.
وكم كان مطلوبا منهم أن يُدلوا بمعلومة ، أن ينطقوا بكلمة حق.
لكن الكثير اختاروا غيره .

قبل أيام وتحديدا في 26 تموز 2025 اعترف رئيس البرلمان العراقي ، الدكتور محمود المشهداني ، خلال مؤتمر الإسلامي لمناهضة العنف ضد المرأة ، قائلا:
لا عذر لنا أمام بناتنا الإيزيديات ، لم نحمهّن ولن نسامح أنفسنا حتى تستسمحننا هن.

بالتأكيد، لا يُلغي هذا الاعتراف مآسي الماضي ولا يبرئ جرائم تنظيم داعش، لكنه قد يمهّد لمرحلة جديدة، تُعبّد فيها الطريق نحو بناء أرضية حقيقية للتواصل وكسر الجمود واستعادة الثقة واللحمة الوطنية بين مكوّنات المجتمع العراقي. وهي مرحلة تمهد لمصالحة حقيقية مع الذات، أفرادا وجماعات، تقوم على الاعتراف بالجرم، وتحقيق العدالة بمحاسبة من اقترف الجرائم، وتعويض الضحايا، واستعادة الكرامة، وقبل كل ذلك، تحرير من لا يزلن في الأسر من المختطفات والمختطفين. ثم يأتي بعدها الشروع بإعمار المناطق المنكوبة، وفق ما أقرّه البرلمان العراقي في إحدى جلساته قبل أعوام قليلة باعتبارها هكذا.

وقبل كل هذه الخطوات، لا بد من إصدار قوانين تُعالج ما كسره داعش من أواصر اللحمة الوطنية، خصوصا مع الأقليات الدينية. كما يجب إعادة النظر في مناهج التربية والتعليم، بما يضمن بناء أجيال تنظر إلى المستقبل بروح كلها تسامح وعدالة ، لتحصن نفسها ضد تكرار المآسي.

من هنا، تبرز أهمية القدوة الوطنية ، التي يتعلم الأبناء والأجيال وفقها أنّ البطولة لا تكمن في الصراخ، بل في الموقف النبيل، وأن من يزرع الخير وينشده، يمنح الحياة فرصة لتزدهر، حتى لو لم يحصد ثمار ذلك بنفسه. فليكن الإنسان هو تلك البذرة الطيبة. ٢وهذا المعنى يذكرني بقول الشاعر الهندي رابندراناث طاغور:
من أراد أن يُشعل المصباح، لا ينبغي أن يخشى من احتراق أصابعه.

سلام على من لم يخن الغير والمبادئ والقيم الوطنية والإنسانية.
سلام على كل من لم يخن الجيرة.
سلام على من حفظ او حاول جاهدا أن يحفظ حرمة البيوت حين اجتاحت الوحوش المدن والقرى.
سلام على من آثر الصمت النبيل على التواطؤ الجبان ، وهو في وضع ليس له فيه ما يستطيع القيام به انتصارا لقيمه وانسانيته ووطنه.
سلام على كل من كان (بذرة) تُدفن لتُزهر في المستقبل ضوءا وعدلا.
سلاما على من ضحى بنفسه واستشهد من أبناء القوات المسلحة بمختلف تصنيفاتها وعناوينها في سبيل تحرير الارض والانسان.

وإلى أن نزرع البذور الصحيحة في تربة الوعي الوطني،
ستبقى الأوطان بحاجة لمن يريد لها المعافات من جراحاتها بأرضها وإنسانها.
وسيبقى العار يلاحق كل من خان أو صمت واكتفى بالمشاهدة عن اقتدار في فعل الكثير الخير.

ب. د. خالد محمود خدر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وزارة العدل الأمريكية: اعتقال القيادي في كتائب حزب الله العر


.. ممثل منظمة اليونيسف في السودان: 19 مليون سوداني دخلوا مرحلة




.. الكنز الفلسطيني المدفون.. كواليس عملية إنقاذ أرشيف الأونروا


.. قوارض وحرارة خانقة يفاقمان معاناة النازحين في مخيمات غزة




.. مسؤول إسرائيلي سابق: إسرائيل تمهد لإعدامات جماعية بحق معتقلي