الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إمبراطورية الانقسام: كيف أعادت بريطانيا رسم العالم بالصراعات

حمدي سيد محمد محمود

2025 / 8 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


إن الإمبراطورية البريطانية لم تكن فقط قوة عسكرية احتلالية سعت إلى توسيع رقعتها الجغرافية، بل كانت منظومة استعمارية ذات رؤية استراتيجية عميقة لتفكيك المجتمعات التي أخضعتها لسلطتها، وإعادة صياغتها على نحو يضمن تبعيتها البنيوية طويلة الأمد. ومن خلال مزيج من العنف المنظم والإدارة البيروقراطية والتحكم الاقتصادي والهندسة الثقافية، أنتجت بريطانيا واحدة من أعقد التجارب الاستعمارية التي لا تزال آثارها تضرب بجذورها في حاضر كثير من دول الجنوب العالمي، وخصوصًا في الهند، والعالم العربي، والإسلامي، وإفريقيا.

ففي الهند، يمكن القول إن الاستعمار البريطاني شكّل نقطة تحوّل بنيوية في مسارها التاريخي والاجتماعي. لم تكتف بريطانيا بالسيطرة العسكرية على الهند، بل عمدت إلى إعادة صياغة علاقتها بالهويات الدينية واللغوية والطبقية، بما يخدم مصالحها الاستعمارية. وقد ساعدها في ذلك اعتمادها على طبقة من النخب المحلية التي جرى ترويضها فكريًا وتعليميًا داخل منظومة "الراج البريطاني"، وكانت تعمل كوسيط بين السلطة الإمبراطورية والجماهير الهندية. أبرز تجليات هذه السياسة تمثّلت في تصعيد الانقسام بين المسلمين والهندوس، إذ قدّمت بريطانيا نفسها كقوة ضامنة للتوازن بين الطرفين، لكنها في الواقع عمّقت التباينات وشجعت النزعة الانفصالية لكل منهما. هذا ما ساعد لاحقًا في تفجير الصراع الدامي الذي أدى إلى تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 إلى دولتين: الهند وباكستان، في سياق دموي راح ضحيته أكثر من مليون إنسان، وشُرّد الملايين في واحدة من أكبر موجات اللجوء في القرن العشرين. فالحقيقة أن بريطانيا لم تترك الهند إلا بعد أن زرعت فيها بذور صراع دائم يعيد إنتاج ذاته جيلاً بعد جيل.

أما في المجتمعات الإسلامية والعربية، فقد اتسم المشروع البريطاني بطابع مزدوج: تفكيكي-سياسي من جهة، وثقافي-هوياتي من جهة أخرى. ففي مصر مثلًا، استغلت بريطانيا انهيار الدولة العثمانية لتعزيز سيطرتها على قناة السويس وضمان تبعيتها للهيمنة الإمبريالية، رغم ادعاءاتها بمنح مصر استقلالًا شكليًا عام 1922. ولتحقيق ذلك، استخدمت أدوات عديدة، أبرزها تحجيم النخب الوطنية، وتقويض مشروع الدولة الحديثة، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية، والتدخل المستمر في شؤون الحكم. كما دعمت صعود نخب تكنوقراطية مرتبطة بالاستعمار لا بالمجتمع، مما أحدث شرخًا دائمًا بين السلطة والشعب، وساهم في إضعاف التجربة الدستورية الوليدة في مصر. وفي العراق، دعمت بريطانيا بناء نظام ملكي هش تابع لها بعد الحرب العالمية الأولى، فكان الاحتلال البريطاني للعراق (1917-1932) مثالًا على الإمبريالية المقنّعة التي تفرض السيادة السياسية والاقتصادية وتمنح في المقابل استقلالًا مزيّفًا. وفي كل من فلسطين والأردن والخليج، لعبت بريطانيا دورًا مركزيًا في إعادة رسم الخارطة السياسية لما بعد سقوط العثمانيين، بما يضمن مصالحها النفطية والتجارية.

وفي فلسطين، ارتكبت بريطانيا أخطر جرائمها السياسية في العالم العربي من خلال "وعد بلفور" عام 1917، الذي منح اليهود وطنًا قوميًّا في أرض لا تملكها، متجاهلة تمامًا حقوق الأغلبية العربية التي كانت تسكنها منذ قرون. لم تكن بريطانيا مجرد وسيط دولي، بل كانت الراعي الرسمي للمشروع الصهيوني، عبر دعمها المالي والعسكري والسياسي للهجرة اليهودية، وتوفير الحماية للمنظمات الصهيونية المسلحة، والتنكيل بالقادة الفلسطينيين. منعت بريطانيا تسليح الفلسطينيين، وفرضت عليهم ضرائب باهظة، وشنت حملات اعتقال واسعة خلال ثورة 1936–1939، في حين غضّت الطرف عن الجرائم الصهيونية المنظمة. ومن خلال نظامها الإداري المعقّد في فلسطين، قسّمت الأراضي، وشرعنت الاستيطان، وأسست لبنية استعمارية قائمة حتى يومنا هذا، ما جعل القضية الفلسطينية واحدة من أعقد وأطول النزاعات الناتجة عن الإمبريالية الغربية.

وفي إفريقيا، مارست بريطانيا استعمارًا بنيويًا طويل المدى، تمثل في تقطيع القارة إلى وحدات إدارية غير منسجمة، وغرس الحدود المصطنعة التي لم تعبّر عن الهويات التاريخية أو الثقافية أو العرقية، بل عن خطوط النفوذ البريطاني. وقد خلّف ذلك صراعات حدودية دموية امتدت لما بعد الاستقلال، مثل النزاعات في نيجيريا (بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي)، وفي السودان (الذي أدى لاحقًا لانفصال الجنوب)، وفي كينيا وأوغندا وتنزانيا وغيرها. كما مارست الإمبراطورية البريطانية عنفًا مفرطًا في مواجهة حركات التحرر الوطني، كما حدث في "تمرّد ماو ماو" في كينيا، حيث استخدمت قوات الاحتلال البريطاني التعذيب، والاغتصاب، والقتل الجماعي، في محاولة لقمع الثورة. وقد كشفت وثائق بريطانية لاحقة عن وجود معسكرات اعتقال سرية وممارسات لا إنسانية ممنهجة بحق الثوار الأفارقة.

أما على الصعيد الثقافي، فقد مارست بريطانيا استعمارًا معرفيًا طويل الأمد، من خلال فرض مناهج تعليمية تنقل قيم التبعية والتفوق الأوروبي، وتقصي الرموز الثقافية والدينية المحلية، وتُعيد إنتاج النخب الفكرية وفق الرؤية الإمبراطورية. أُسِّست جامعات ومدارس تابعة للمنظومة البريطانية في الهند ومصر ونيجيريا وجنوب إفريقيا وغيرها، لكنها لم تكن تهدف لتمكين الشعوب علميًا، بل لصياغة نخبة مدجّنة تدير المصالح البريطانية بأسماء وطنية. وقد نتج عن ذلك اغتراب طويل الأمد بين المجتمع وطبقاته المتعلمة، بما عرقل محاولات النهوض الوطني بعد الاستقلال.

يمكن القول، في المحصلة، إن الإمبراطورية البريطانية لم تكن فقط قوة استعمارية تقليدية، بل كانت مشروعًا منهجيًا لإعادة هندسة المجتمعات التي احتلتها من الداخل، لتكون ضعيفة سياسيًا، متشظية اجتماعيًا، ومشوّهة ثقافيًا، ومفتتة ديموغرافيًا. وقد نجحت إلى حد كبير في ذلك، وما زال العالم حتى اليوم يدفع ثمن تلك الاستراتيجيات الخبيثة التي تلبّست لباس "الحضارة" و"التمدين"، بينما كانت تمارس أبشع أشكال الهيمنة والتدمير الممنهج. ومهما تغيرت الأشكال والأساليب، فإن آثار المشروع البريطاني ما تزال تتجلى في خرائط الصراع، وخطوط التقسيم، ونماذج السلطة، وخطابات الهوية، من آسيا إلى إفريقيا، ومن العالم العربي إلى الفضاء الإسلامي الأوسع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لماذا يصّر ترامب على إشراك سوريا بملف حزب الله؟ وكيف سيرد ال


.. شاهد | الرئيس ترمب يوقع مذكر التفاهم مع إيران بحضور الرئيس ا




.. هل فشلت الولايات المتحدة بتحقيق أهداف حرب إيران؟.. سجال في ن


.. تسريبات نص مذكرة تفاهم واشنطن وطهران.. هل أعاد ترمب عقارب ال




.. الأمين العام لحزب الله: سقف المفاوضات مع العدو الإسرائيلي هو