الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الحماية الاجتماعية في المغرب: استثمار في الإنسان ومعركة ضد الهشاشة
عائشة العلوي
(Aicha El Alaoui)
2025 / 8 / 2
الادارة و الاقتصاد
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، تبرز الحماية الاجتماعية كإحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وترسيخ العدالة الاجتماعية. وفي المغرب، حيث تتقاطع التحديات المحلية والوطنية مع المتغيرات العالمية، يغدو بناء نظام حماية اجتماعية شامل وعادل مسألة ملحّة، تتجاوز البعد التقني لتلامس جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين/ات.
تشكل الحماية الاجتماعية حلقة وصل حيوية بين السياسات العمومية والتنمية المحلية، إذ لا يمكن فصل نجاح أي استراتيجية تنموية عن قدرتها على توفير شبكة أمان فعّالة للمواطنين/ات. وفي المناطق القروية والجبلية والواحية، حيث تتفاقم الهشاشة وتتراجع الخدمات الأساسية، تبرز الحاجة إلى مقاربة مجالية تراعي الخصوصيات المحلية، وتضمن عدالة توزيع الموارد، وتمكّن الساكنة من الاستفادة المنصفة من القيمة المضافة للمشاريع الكبرى والاستراتيجية المقامة على تراب هذه المناطق، مثل استغلال المناجم، ومشاريع الطاقات المتجددة، والاستثمارات الصناعية. فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي، بل بمدى قدرة النظام على حماية الفئات الهشة وتقليص الفوارق بين المركز والهامش، وهي رسائل بارزة يمكن استلهامها من خطاب العرش لسنة 2025.
يواجه المغرب تحديات كبرى في هذا المجال، أبرزها اتساع رقعة الاقتصاد غير المهيكل الذي يستوعب نسبة كبيرة من اليد العاملة دون ضمانات اجتماعية كافية. كما أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي أفرز أشكالاً جديدة من العمل الهش، يصعب إدماجها في الأطر التقليدية للحماية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، تكشف التفاوتات المجالية الصارخة في الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية عن إشكالية عميقة في العدالة التوزيعية.
رغم المبادرات الطموحة التي أطلقها المغرب في السنوات الأخيرة، مثل تعميم التأمين الصحي الإجباري وبرامج الدعم الموجهة للأسر الفقيرة، فإن الجهود ما تزال تصطدم بمعضلة التمويل والتبعية للقروض الخارجية. فاستدامة النظام تتطلب إصلاحات هيكلية تتجاوز الحلول الآنية، وتعيد النظر في آليات التمويل وتوزيع الثروة.
وتبرز هنا العلاقة الجدلية بين الحماية الاجتماعية والتنمية المحلية. فمن جهة، تسهم الحماية الاجتماعية في تحسين مؤشرات الصحة والتعليم والقدرة الشرائية، ما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية والاستقرار الاجتماعي. ومن جهة أخرى، توفّر التنمية المحلية المتوازنة بيئة أكثر ملاءمة لنجاح سياسات الحماية الاجتماعية، من خلال تقريب الخدمات من المواطنين/ات وضمان مشاركة فعلية للجماعات الترابية في اتخاذ القرار.
تحقيق العدالة المجالية يستدعي مقاربة متكاملة تجمع بين السياسات العمومية المركزية والمبادرات المحلية، مع اعتماد لامركزية حقيقية في توزيع الموارد الاجتماعية، تراعي الخصوصيات الثقافية والجغرافية، وبالتالي الاقتصادية، لكل جهة. كما أن إشراك الفاعلين المحليين والمجتمع المدني في تصميم وتنفيذ برامج الحماية الاجتماعية يعزّز فعاليتها ويقوي الثقة بين المواطن(ة) والمؤسسات.
ختامًا، إن بناء نظام حماية اجتماعية عادل في المغرب يتطلب رؤية شاملة، تنظر إلى الحماية الاجتماعية ليس باعتبارها عبئًا ماليًا، بل كاستثمار استراتيجي في الإنسان وأداة لتحقيق التماسك المجتمعي. وهي رؤية لا يمكن أن تتحقق دون إرادة سياسية حقيقية لإصلاح الاختلالات الهيكلية، وضمان عدالة مجالية تمنح كل مواطن/ة الحق في حياة كريمة، أينما كان، وبدون تمييز أو إقصاء. فالتنمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الحق في الحماية الاجتماعية مكسبًا ملموسًا لجميع المغاربة. وبرأيي، فإن الخطوة الأولى نحو ذلك هي إرساء تعاقد جديد وقوي، يؤسس لحياة سياسية ديمقراطية وشفافة، مبنية على النضج السياسي والثقة بين المواطن(ة) والفاعل السياسي.
عائشة العلوي، أستاذة جامعية وخبيرة اقتصادية، 2 غشث 2025
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الناطق باسم الحكومة العراقية للجزيرة: الاقتصاد اليوم هو التح
.. هكذا نهض الاقتصاد القطري في عهد الأمير الوالد
.. الحرب تلتهم اقتصاد غزة.. خسائر تتجاوز الإنتاج إلى الأمن الغذ
.. الخامسة | الجيش الأميركي يحرق قلب الاقتصاد الإيراني
.. متسابق بـ«دولة التلاوة»: المنافسة شريفة والمسابقة أيقونة لمح