الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-غزة- في مرآة الخذلان العربي

ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)

2025 / 8 / 2
القضية الفلسطينية


ما يجري في قطاع غزة منذ أكثر من عشرين شهراً، لم يعد يُعدّ فقط عدواناً إسرائيلياً همجياً، بل تجاوز ذلك ليغدو فضيحة أخلاقية عالمية بكل المقاييس، إنها حرب إبادة ممنهجة وحصار شامل، وتجويع متعمد، وخنق إنساني شامل لشعب أعزل، تُرتكب بحقه أبشع الجرائم تحت سمع وبصر العالم، بل وأحياناً بدعمه أو صمته أو تواطئه المباشر!
في المشهد الغزّي اليوم، لا تنعدم فقط الموارد الأساسية؛ كالدواء والغذاء والماء، بل تنعدم الحد الأدنى من القيم الأخلاقية التي طالما تباهى بها النظام العالمي المعاصر، والمفارقة المؤلمة أن هذا العالم الذي يتشدّق بحقوق الإنسان وحرية الشعوب وكرامة الإنسان، يقف عاجزاً أمام موت الأطفال جوعاً، ودفن الجرحى تحت الركام، واختفاء العائلات بأكملها بفعل آلة القتل الإسرائيلية.
لكن الأخطر من هذا الصمت الدولي هو الصمت العربي والإسلامي المُخجل، الذي تجاوز كونه موقفاً باهتاً إلى أن أصبح مشاركة سلبية وربما – من البعض- تواطؤاً صامتاً! فأغلب الدول العربية، خاصة الكبرى منها، لم تقم حتى بالحد الأدنى من مسؤولياتها الإنسانية والسياسية، بل غلّبت حسابات المصالح والتحالفات على اعتبارات التاريخ والجغرافيا والأخلاق وصلة الدم وأخوة التراب!
إن صمت بعض العواصم العربية لم يعد مجرد غياب للدور، بل تحول إلى سياسة مقصودة تستند إلى عدد من المحددات: أولها، التحالفات الجيوسياسية الجديدة التي تشكلت خلال السنوات الماضية، والتي حوّلت الكيان الإسرائيلي من "عدو تقليدي" إلى "شريك استراتيجي" في بعض الأجندات.
ثانيها، الخوف من الداخل، إذ تخشى أنظمة "الثقب الأسود" من أي تحرك تضامني قد يُفهم على أنه دعم لثورات الحرية والمقاومة، ما يعكس مأزقها البنيوي في علاقتها مع شعوبها، وثالثها، الارتهان للموقف الأميركي، حيث تفضّل كثير من الدول العربية والإسلامية أن لا تُغضب واشنطن، حتى وإن كان الثمن هو السكوت عن مجازر تُرتكب يومياً بحق شعب شقيق أعزل!
والنتيجة أن غزة تُحاصر مرتين: مرة من الاحتلال، ومرة من جدار الصمت العربي الرسمي. وفي ظل ذلك، فإن الشعوب العربية، التي تقف بقوةٍ مع غزة، تتعرّض بدورها إلى أشكال متعددة من القمع والتضييق، لمنع أي مظاهر دعم حقيقي أو تعبير عن تضامن فعلي.


وما يجعل من العدوان الهمجي وحرب الإبادة على غزة أكثر فظاعة، أنه لا يُقابل بأي إرادة حقيقية لوقفه، بل يُستثمر سياسياً من قبل بعض القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تتعامل مع الحصار والتجويع وكأنهما ورقة تفاوضية للضغط على المقاومة من أجل تحقيق أهداف سياسية، بينما تمنَح إسرائيل غطاءً سياسياً وعسكرياً غير محدود لمواصلة حرب الإبادة والتجويع تحت ذريعة "حق الكيان في الدفاع عن نفسه" أو تحرير الأسرى!
لذلك، لم تعد غزة مجرد قضية سياسية أو صراع وجودي، بل تحولت إلى رمز أخلاقي وإنساني عالمي، وأصبحت مرآة تكشف نفاق النظام الدولي وازدواجية معاييره وانهيار منظومة الشرعية الأممية. كما أنها فضحت حجم الفجوة بين إرادة الشعوب العربية وإرادة أنظمتها، وأكّدت أن المعركة لم تعد فقط ضد الاحتلال، بل ضد حالة التواطؤ الإقليمي والدولي.
أما على صعيد الفعل، فالمطلوب اليوم ليس فقط بيانات تنديد أو دعوات جوفاء، بل تحرك سياسي واقتصادي وإعلامي ودبلوماسي، ووقف التعاون مع كيان الاحتلال، وتدويل الجرائم عبر المحاكم الدولية، ودعم جهود محاسبة مجرمي الحرب، إضافة إلى كسر الحصار الإنساني بكافة الوسائل الممكنة.
يمكن القول إن الصمت العربي والإسلامي تجاه غزة ليس فقط تعبيراً عن ضعف أو عجز، بل يحمل في طياته مسؤولية أخلاقية وتاريخية عميقة، فالتخاذل في هذه اللحظة التاريخية لا يقل خطراً عن العدوان نفسه، ومن هنا فإن الموقف من غزة لم يعد محصوراً في حدود التضامن، بل أصبح معياراً جوهرياً لقياس إنسانية الأنظمة، وشرعية القوانين ومصداقية الشعارات الأممية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تباهى خلاله بإنهائه 8 حروب.. الرئيس دونالد ترمب يطوي عامه ال


.. عام لترمب في الرئاسة.. قراراتٌ وتحالفاتٌ وصفَقاتٌ قلبت موازي




.. تراشق وخطاب حاد في نقاشات وجلسات منتدى دافوس بشأن ملف جزيرة


.. خارج الصندوق | قسد تدعو أكراد الداخل والخارج لحمل السلاح.. و




.. واشنطن تصدم قسد: الغرض منكم انتهى