الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من بغداد إلى إدلب: كيف تعلّمت واشنطن وأعادت هندسة المشرق
هاني صالح الخضر
2025 / 8 / 4الثورات والانتفاضات الجماهيرية
** العبرة من العراق**
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في التاريخ، ليست الهزائم فقط من تصنع التحولات الكبرى، بل أحيانًا الانتصارات المكلفة.
بعد أن أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين عام 2003، اكتشفت أن النصر العسكري يمكن أن يتحول إلى عبء استراتيجي، حين صار الاحتلال ساحة استنزاف مفتوحة، تكلف مليارات الدولارات ومئات الآلاف من الأرواح بين جنودها وحلفائها المحليين.
من بين أهم "دروس العراق" التي سُجّلت في مراكز التفكير الأمريكية: **تجنّب الانغماس المباشر، وتفضيل الحروب بالوكالة، وتقليل الخسائر البشرية الأمريكية، وتعويض النفوذ عبر شبكات من الحلفاء المحليين المتنوعين**، حتى لو كانوا على طرفي نقيض أيديولوجيًا.
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------
**المرحلة السورية – ترك الأسد يكمل المهمة**
حين اندلعت الثورة السورية عام 2011، لم تكرر واشنطن سيناريو العراق بإسقاط النظام مباشرة.
على العكس، تركت الأسد يواجه الشارع، وهو يعرف تمامًا أن قبضته الأمنية ستدفع بالاحتجاجات نحو العسكرة، ثم نحو التطرف، وهو ما يخدم الحاجة إلى **تفتيت البنية الوطنية** وتحويل الصراع إلى **حرب أهلية طاحنة**.
طوال السنوات الأولى، جرى **غضّ الطرف عن التوريث العائلي** من حافظ إلى بشار، وهو سابقة في أنظمة "الجمهوريات" العربية، كما لم يُطرح جديًا أي تدخل عسكري لإزاحته، لأن المهمة لم تنته بعد: **تمزيق النسيج السوري وخلق مظلومية سنية مشابهة لتلك التي أنتجها العراق بعد 2003**.
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------
**جبهة النصرة – من الخنادق إلى المكاتب**
منذ 2012، تحولت "جبهة النصرة" من تنظيم ميداني مرتبط بالقاعدة إلى لاعب محلي براغماتي.
أُدرجت على قوائم الإرهاب الأمريكية، لكن هذا لم يمنع اتصالات سرية غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين (تركيا، قطر) في ملفات محددة.
تحولات النصرة شملت:
* الانفصال الشكلي عن القاعدة** وإعادة التسمية إلى "جبهة فتح الشام" (2016)، ثم الاندماج في "هيئة تحرير الشام" (2017).
* بناء إدارة مدنية في إدلب عبر "حكومة الإنقاذ"، وتطوير جهاز أمني خاص.
* تقديم خدمات استخباراتية غير معلنة، مثل تمرير معلومات عن مواقع قيادات "داعش" – أبرزها عملية تصفية أبو بكر البغدادي في باريشا (أكتوبر 2019)، التي أفادت تقارير بأن تحديد إحداثياته كان نتيجة عمل استخباري محلي ساهمت فيه أطراف من إدلب.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
**دور إسرائيل في الملف الكردي**
منذ عقود، ترى إسرائيل في الحركات الكردية فرصة لإضعاف دول الطوق.
في العراق، دعمت مشروع فدرالية إقليم كردستان، وعززت علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع أربيل بعد 2003.
وفي سوريا، أبدت اهتمامًا خاصًا بالمكوّن الكردي شمال شرق البلاد، خاصة مع صعود "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).
بحسب تقارير صحفية غربية وإسرائيلية، جرى:
* تقديم دعم استخباري لقوات البيشمركة في العراق.
* تبادل اتصالات غير مباشرة مع قيادات في "قسد" حول ترتيبات ما بعد "داعش".
* تشجيع بقاء الوجود الأمريكي شرق الفرات، لضمان عزل هذا الشريط عن سيطرة دمشق أو طهران.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------
فيما يلي**جدول الزمني للأحداث الرئيسية**
| السنة الحدث
| ------------ | ---------------------------------------------------------------------------------------------
| 2003 | غزو العراق، إسقاط صدام حسين، صعود النفوذ الإيراني والميليشيات الشيعية.
| 2006–2008 | موجة العنف الطائفي في العراق، وتهجير مئات الآلاف من السنة.
| 2011 | اندلاع الثورة السورية، القمع الدموي، عسكرة الحراك.
| 2012–2014 | صعود جبهة النصرة وداعش، انحسار الجيش الحر.
| 2014 | إعلان داعش "الخلافة" وسيطرته على مساحات واسعة.
| 2016 | النصرة تنفصل شكليًا عن القاعدة، وتصبح "جبهة فتح الشام".
| 2017 | تأسيس "هيئة تحرير الشام" وسيطرتها على إدلب.
| 2019 | مقتل البغدادي في عملية أمريكية شمال إدلب.
| 2020–2023 | تكريس نفوذ "هيئة تحرير الشام" سياسيًا وأمنيًا في إدلب، واستمرار الترتيبات الكردية شرق الفرات.
---
**في النهاية**
ما جرى في سوريا لم يكن صدفة، بل حلقة محسوبة في مشروع إعادة هندسة المشرق، استُخدمت فيه أدوات مختلفة: أنظمة استبدادية، جماعات مسلحة، وحركات قومية، كلها تدور في فلك استراتيجية دولية تحرص على بقاء المنطقة في حالة سيولة دائمة.
من بغداد إلى إدلب، تتكرر القاعدة: **دع اللاعبين المحليين ينهكون بعضهم، ثم تدير اللعبة من فوق الطاولة وتحتها**.
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
**المصادر والتوثيق**
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. مقابلات وتصريحات لمسؤولين أمريكيين (وزارة الدفاع، الخارجية) حول الدروس المستخلصة من العراق – واشنطن بوست، 2011–2013.
2. تقارير الأمم المتحدة حول النزاع السوري (2012–2022).
3. أرشيف نيويورك تايمز وBBC عن دور جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام.
4. تقارير "هآرتس" و"جيروزاليم بوست" عن علاقات إسرائيل مع البيشمركة و"قسد".
5. معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى – ملفات عن إعادة هيكلة المشرق.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بيت المدى يستذكر الرفيق -فهد-..في الذكرى 125 لولادته
.. نقاش الساعة - هل أصبحت الحرب أقرب إلى -الحتمية- نتيجة اتساع
.. تونس.. مسيرة تطالب بالعدالة الاجتماعية وتندد بالملاحقات القض
.. الواقع العربي بين فلسفة التمثيل والمخيال الأوروبي - د. محمود
.. لندن: مظاهرة لأنصار اليمين المتطرف وأخرى مؤيدة للفلسطينيين و