الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خبث التغاضي من كتاب (رسائل غير مشفرة )

للاإيمان الشباني

2025 / 8 / 4
قضايا ثقافية


يتغاضى عنك شخص كنت الأقرب إلى قلبه، وتنتظر منه دعوة أو تذكّرًا في لحظة فرح أو إنجاز أو مناسبة، فتفاجأ بأنه يمد يده لغيرك ويتناساك، هنا لا يكون الغياب صدفة ولا السهو بريئًا، وإنما هو نتاج دوافع أعمق تخفيها ملامحه وتصرفاته، ففي مثل هذه المواقف، تتجلّى هشاشة الروابط التي كنت تظنها متينة، وتتكشف طبيعة العلاقات حين تتبدل الأحوال وتتغير المواقع.
هناك من لا يحتمل رؤية من كان سندًا له في ضعفه، لأنه يشعر داخليًا أن هذا السند يذكره بنفسه القديمة، بتلك اللحظات التي لم يكن فيها شيئًا يُذكر. ومع أن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بالوفاء، إلا أن البعض يظن أن إقصاءك عنه يعزز حضوره أكثر، وقد يتوهم أن بقاءك بجانبه يسرق منه الضوء أو يضعف تأثيره أمام من حوله. تلك النفوس التي تأنف من الاعتراف بدينٍ عاطفي أو إنساني، تحاول أن تهرب منك كأنك مرآة تذكّرها بماضٍ مازالت تخجل منه، أو تخشى أن تعود إليه إن ظللت قريبا،
ومن هؤلاء من عاشوا ظروفًا قاسية، وتجاوزوا محنًا بصعوبة، فلما تغيّرت أوضاعهم صاروا يخافون من عودة الصورة القديمة، يخشون أن يراهم أحد كما كانوا، لا كما أصبحوا. فإذا كنت شاهدًا على رحلة الألم، قد تصبح في نظرهم خطرًا على صورة القوة الجديدة. هذه النفوس المأزومة لا تعرف كيف تميز بين من يحبها لذاتها ومن ينافسها على موضع، فتخلط بين المحبة والتهديد، وبين القرب والسطو. ومع كل نجاح جديد يعيشونه، يشعرون بحاجتهم إلى فصل الفصول، وقطع خيوط الذاكرة التي تربطهم بما كانوا عليه.
قد تعيش لحظة الذهول وأنت ترى أحدهم يمنح غيرك ما كنت تنتظره منه، ويشارك الآخرين أمورًا كنت أولى بها، لكن حين تتأمل عمق الحكاية تدرك أنك كنت أرقى من أن تكون في حفلة إثبات أو مظاهرة حضور. فوجودك بحد ذاته يكفيك، وحضورك في قلبك وصفائك من الغل والحسد يجعل مقامك أعلى. النفوس التي تشعر أنها في سباق دائم لا تهدأ، وتظل تراقب كل من حولها خشية أن يتفوقوا عليها، وإن لم ينافسوها أصلًا. هؤلاء لا يشعرون بالأمان حتى مع الأقرب، ويظنون أن الضوء لا يتسع إلا لهم، فيحاولون حجبك دون أن تعرف.
في مثل هذا، لا تلُم نفسك ولا تحاول أن تبرّر غياب الدعوة، لأن المشكلة ليست في مكانك أو قيمتك، وإنما في عيونهم التي لم ترَ الحقيقة كما هي. هؤلاء حين يبتعدون فإنهم يختارون أن يخسروا من لا يُعوّض، لأن الغل لا يصنع صداقات ولا يبني مودة. عش كبيرًا كما كنت، وامنح العذر دون أن تطلب تفسيرًا، واترك للزمن أن يكشف المعدن الأصيل من الطلاء الزائف. فالكريم يزداد وفاءً كلما اشتد به النعيم، أما من ضاقت روحه بعد أن وسّع الله عليه، فهو لم يتعلّم شيئًا من البلاء، ولم يحسن حمل النعمة بعده.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصحة في الكونغو الديمقراطية: ارتفاع حصيلة الحالات إلى 2344


.. آندي بيرنهام يتسلم مهام منصبه رئيسا لوزراء بريطانيا خلفا لكي




.. قصف إسرائيلي على منزل بمدينة غزة يوقع شهداء


.. وكالة سانا: إصابة طفلين إثر إطلاق جنود إسرائيليين النار باتج




.. الحرس الثوري: اشتعال ناقلتين عقب انفجار جنوب مضيق هرمز