الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الاستثمار بين السيادة والتنمية: قراءة موضوعية في المادتين التاسعة والرابعة والعشرين من اتفاقية تشجيع الاستثمار بين العراق والسعودية

سهام يوسف علي

2025 / 8 / 6
الادارة و الاقتصاد


في خضم السجال المتصاعد حول اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار بين جمهورية العراق والمملكة العربية السعودية، تبرز المادة التاسعة والمادة الرابعة والعشرون كمحورين رئيسيين للجدل. ويرى البعض فيهما فرصة للتنمية والانفتاح، بينما يعبّر آخرون عن مخاوف جدية تتعلق بالسيادة وملكية الأرض. فهل هذه المخاوف مبرّرة؟ وما الذي تنص عليه المادتان بالضبط؟

أولًا: ماذا تقول المادتان؟
المادة التاسعة: تتيح للمستثمر من أحد الطرفين تقديم مقترحات لمشاريع استثمارية إلى الطرف الآخر (الدولة المضيفة)، وتتعهد الدولة المضيفة بالنظر فيها وفق تشريعاتها الوطنية.

المادة الرابعة والعشرون: تخوّل المستثمرين الحق في استخدام الأراضي أو الممتلكات العامة المملوكة للدولة أو الأشخاص المعنويين العامين (مثل الوزارات أو الهيئات)، عن طريق الإيجار أو التملك أو أي وسيلة قانونية أخرى، بشرط عدم تعارض ذلك مع القوانين الوطنية.

ثانياً: الجوانب الإيجابية

1. تشجيع الاستثمار طويل الأمد:
تُمكّن هاتان المادتان المستثمرين من العمل بأريحية قانونية، ما يوفّر استقرارًا مهمًا لأي استثمار طويل الأمد، خاصة في القطاعات الزراعية أو الصناعية التي تتطلب أرضًا أو بنية تحتية.

2. احترام سيادة التشريع الوطني:
كل من المادتين تربطان الحقوق بالقوانين السارية في الدولة المضيفة، ما يعني أن التنفيذ مشروط بالإطار القانوني العراقي، وليس مفروضًا فوقه.

3. مرونة في صياغة المشاريع التنموية:
الحق في اقتراح المشاريع لا يعني فرضها، بل يفتح باب التفاوض والتعاون في مجالات متعددة، ويمنح العراق الفرصة لاختيار ما يتلاءم مع أولوياته الاقتصادية.

ثالثًا: مصادر القلق والاعتراض

رغم الصياغة القانونية المتوازنة، فإن بعض العراقيين يعبّرون عن تخوّف مشروع، لعدة أسباب:

1. الخبرة المريرة مع عقود الاستثمار السابقة: في العراق، ارتبط مفهوم "الاستثمار" في أذهان البعض بسوء الإدارة، أو التنازل عن ملكيات عامة تحت عناوين مبهمة، دون رقابة حقيقية أو شفافية.
2. غياب الحوكمة والرقابة الصارمة:
النص على الالتزام بالقوانين الوطنية يبدو مطمئنًا، لكنه يصبح عديم الجدوى إذا كانت هذه القوانين قديمة أو مرنة بما يكفي لتبرير تمرير مشاريع ذات طابع احتكاري أو ضار بالبيئة والمجتمع.

3. القلق من بيع أو تأجير أراضٍ سيادية أو حساسة:
الصياغة في المادة 24 لا تحدد طبيعة الأراضي أو الجهات التي تملك حق التصرف بها، مما يثير التخوف من إمكانية التوسع في نقل ملكية أراضٍ عامة أو حيوية، خاصة مع ضعف المؤسسات المحلية في حماية هذه الممتلكات.

4. غياب ضمانات للمنفعة المحلية:
لا تفرض المادتان نسبة تشغيل محلية، أو نسبة مضافة للاقتصاد الوطني، ما يفتح الباب أمام مشاريع قد لا تُسهم فعليًا في التوظيف أو التنمية، بل تُستغل لأغراض الربح السريع أو النفوذ الجغرافي.

رابعًا: قراءة موضوعية
من حيث المبدأ، لا يمكن وصف هاتين المادتين بأنهما تنتقصان من سيادة العراق، طالما بقي التنفيذ مرتبطًا بالقوانين الوطنية، وتوفّرت آليات حوكمة ومحاسبة. لكن في واقع هش سياسيًا وإداريًا، تبرز الحاجة إلى:
إصدار تعليمات تنفيذية واضحة تضبط تطبيق هذه المواد.
تحديد أنواع الأراضي التي يمكن استثمارها، والجهات المخوّلة بمنح التمليك أو الإيجار.
إشراك الرأي العام والجهات الرقابية في مراقبة المشاريع.
فرض نسب تشغيل محلية أو شراكات تضمن فائدة فعلية للمجتمع العراقي.

الاتفاقيات الاستثمارية هي أدوات محايدة بحد ذاتها، لكن فعاليتها وأثرها يعتمدان على البيئة التي تُطبّق فيها. هاتان المادتان، رغم طابعهما القانوني المتوازن، قد تُستخدَمان كمدخل للتنمية... أو قد تتحولان إلى بوابة لنقل ممتلكات الدولة تحت غطاء الاستثمار، إذا غابت الرقابة وضعفت الإرادة السياسية.
القلق إذًا ليس من السعودية أو من نص المادة، بل من قدرة الدولة العراقية على إدارة ما بعد الاتفاق بشفافية وعدالة وحرص على الصالح العام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الخامسة | الجيش الأميركي يحرق قلب الاقتصاد الإيراني


.. متسابق بـ«دولة التلاوة»: المنافسة شريفة والمسابقة أيقونة لمح




.. رؤية الأمير الوالد قادت التحول الاقتصادي ورسخت مكانة قطر الع


.. قراءة اقتصادية | التوتر الأمريكي الإيراني ينعكس على أمن المل




.. الصين تزيد مشترياتها من الذهب.. فهل تنجح في بناء نظام مالي أ