الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تحولات مدينة أربيل الحضرية بين دوكسيادس وبول سيرفيس: من النمو الشعاعي إلى التخطيط الوظيفي
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
2025 / 8 / 7دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
شهدت مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، تحولات جذرية في بنيتها الحضرية خلال العقود الأخيرة. كان من أبرز هذه التحولات اعتماد مخططين رئيسيين أعادا تشكيل وجه المدينة: الأول أعدّه المهندس اليوناني كونستانتينوس دوكسيادس في خمسينيات القرن الماضي، والثاني أعدّه المهندس البولندي بول سيرفيس في سبعينيات. وبين المخططين، تغيّرت الرؤية والآليات، واختلفت النتائج، لكن بقي الهدف واحدًا: تحويل أربيل من مدينة تقليدية تدور حول قلعتها التاريخية إلى مدينة حديثة متكاملة الوظائف.
أولًا: مخطط بول سيرفيس – تخطيط وظيفي لمدينة متنامية
السياق الزمني والإعداد
في أوائل السبعينيات، كانت أربيل تمر بمرحلة من النمو السكاني المتسارع، نتيجة للنزوح الكبير من الأرياف إلى المدينة، وتزايد النشاط الاقتصادي نتيجة الاستقرار النسبي. وفي هذا السياق، كلّفت الجهات الرسمية المهندس بول سيرفيس، وهو خبير بولندي في التخطيط الحضري، بوضع مخطط عمراني جديد يتناسب مع هذه التحولات، ويعالج التحديات الناشئة.
ملامح المخطط
تميز مخطط بول سيرفيس برؤية أكثر حداثة وعملية، مقارنة بسابقه. من أبرز ملامحه:
الامتداد الخطي والمحوري: اعتمد سيرفيس على بنية تمتد بشكل خطي من مركز المدينة (القلعة) باتجاه الجنوب ، مع شبكة من المحاور الشعاعية والطرق الدائرية. كان الهدف تقليل الضغط عن المركز التاريخي وتوزيع النمو بشكل متوازن.
نظام الوحدات السكنية المغلقة (Neighborhood Units): تم تقسيم المدينة إلى وحدات سكنية تحتوي كل منها على مدارس، أسواق، حدائق، ومرافق خدمية، بما يضمن قرب الخدمات وتقليل الاعتماد على التنقل الطويل.
شبكة نقل متطورة: تضمن المخطط تطوير شوارع رئيسية واسعة، واقتراح إنشاء طرق سريعة تربط أربيل بالمدن المجاورة مثل كركوك والموصل و السليمانية.
مناطق صناعية وتجارية منظمة: خُصصت أجزاء من المدينة، خاصة في الجنوب ، للأنشطة الصناعية، بهدف إخراج المصانع من قلب المدينة وتقليل التلوث والازدحام.
فراغات عامة ومناطق خضراء: تم دمج الحدائق والأحزمة الخضراء داخل النسيج العمراني، مع تشجير الطرق وإنشاء مناطق تنزه عامة.
تحديات التنفيذ
رغم أهمية المخطط، إلا أن تطبيقه واجه العديد من العقبات، أبرزها:
- الاضطرابات السياسية في أواخر السبعينيات.
- تأثير الحرب العراقية الإيرانية، ومن ثم حرب الخليج، على التوزيع السكاني.
- ضعف التمويل، وتراجع الالتزام بالتفاصيل الفنية للمخطط.
إرث بول سيرفيس
رغم تلك التحديات، بقيت ملامح مخطط بول سيرفيس واضحة في عدة مناطق من أربيل، مثل أحياء الإسكان، ورابرين(7 نيسان)، والشرطة، وأربيل الجديدة. كما أن العديد من الشوارع الرئيسية الحالية كانت ضمن تصوره للمستقبل. لقد وضع سيرفيس حجر الأساس لتحول المدينة إلى فضاء أكثر توازنًا وتوزيعًا وظيفيًا، وهو ما تزال أربيل تحاول تحقيقه حتى اليوم.
ثانيًا: مقارنة بين دوكسيادس وبول سيرفيس: رؤيتان في تخطيط بنية المدينة
مخطط دوكسيادس: الرؤية الشعاعية التقليدية
أعدّ دوكسيادس مخططه في خمسينيات القرن الماضي، مستندًا إلى فكرة تنمية المدينة من المركز التاريخي (القلعة) نحو الضواحي عبر شبكة من الطرق الشعاعية والدائرية. كان مركز المدينة هو نقطة التمركز الاقتصادي والإداري، وتُوزع الوظائف والخدمات تدريجيًا حوله.
اعتمد هذا المخطط على فلسفة "المدينة النامية في حلقات"، حيث كل حلقة تمثل مرحلة جديدة من التوسع، لكن مع إبقاء المركز محورًا لكل شيء. هذه الرؤية، على الرغم من دقتها الهندسية، بدأت تتعرض للضغط مع نمو عدد السكان، وتزايد الاعتماد على المركز، مما ولّد ازدحامًا واختناقًا وظيفيًا.
مخطط بول سيرفيس: الرؤية الوظيفية الاجتماعية
في المقابل، اعتمد بول سيرفيس رؤية تنموية جديدة تقوم على فك الارتباط الحاد مع المركز التاريخي، وإنشاء وحدات سكنية متكاملة الخدمات على أطراف المدينة، بحيث تكون كل وحدة قادرة على تلبية احتياجات سكانها. كما اهتم بالبنية التحتية والربط الإقليمي، ووضع خططًا لنقل الأنشطة الصناعية والتجارية إلى مناطق مخصصة.
اختلاف في المنهج والتطبيق
دوكسيادس كان أقرب إلى المهندس الأكاديمي، المتأثر بالنماذج الغربية الكلاسيكية.
بول سيرفيس كان أقرب إلى المخطط الاجتماعي، الذي رأى في المدينة كائنًا حيًا يجب تنظيمه وفق احتياجات سكانه.
ورغم أن كليهما لم يُطبّق بالكامل، إلا أن أثر بول سيرفيس ظل ملموسًا لفترة أطول بسبب عملية تخطيطه الأكثر مرونة وقابلية للتنفيذ.
تشكل المخططات الحضرية وثائق تاريخية تعكس تصور المجتمعات لمستقبلها. وفي حالة أربيل، فإن المقارنة بين مخطط دوكسيادس وبول سيرفيس لا تمثل فقط اختلافًا في الأسلوب، بل في الفلسفة الكامنة وراء التخطيط: هل نؤسس المدينة من المركز إلى الأطراف؟ أم نوزّع الوظائف ونعيد التوازن في النسيج الحضري؟
لقد كانت تجربة بول سيرفيس خطوة جريئة نحو هذا التوازن، ووضعت الأسس لتخطيط أكثر إنسانية وعملية. واليوم، مع التحديات الجديدة مثل التوسع العشوائي والضغط السكاني وتدهور بعض الخدمات، فإن العودة إلى روح هذا التخطيط قد تفتح آفاقًا لتطوير حضري مستدام وعادل
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قيود بريطانية على منتجات المستوطنات وإسرائيل ترد بإجراءات مض
.. الحوثيون يعلنون استهداف مواقع سعودية والمعارك تتصاعد قرب باب
.. سرقة لوحات نادرة لرينوار من متحف فرنسي في عملية خاطفة
.. صفعتان في يوم واحد: هل يبدأ حصار نتنياهو بعد التصعيد الأوروب
.. بعد استهداف ناقلات إيرانية.. الحرس الثوري يعلن ضرب سفن أمريك