الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حُجَّةٌ... وَلَكِنْ إِلَى أَيْنَ؟

نعمة المهدي

2025 / 8 / 7
الادب والفن


ليس أعظم من انكسارِ قلبٍ بنى حياته على الرجاء.
فالألمُ لا يأتي دائماً من الخيانة، بل من ذلك الإيمان الطاهر الذي حملناه بين ضلوعنا وظننا أنّه سيُكافأ بالوفاء.
الزمن لا يُخيف الأرواح النقيّة... الذي يُخيفها هو أن تُخطئ في قراءة نوايا من أحبّت، وأن تحسب الزيف صدقاً، والرغبة رحمةً، والنهاية بدايةً.
وهكذا... لا تنكسر الأم لأن ولدها قسا، بل لأنها ظنّت أن بين يديه، أخيرًا، سيقودها الطريق إلى نور الكعبة، لا إلى ظلّ الجدران المنسية.


في بيتٍ قديمٍ تتراقصُ فيه رائحةُ القهوة مع بقايا الزمن، كانت "أم عبد الله" تعيشُ كما تعيش الشجرة في حديقة مهجورة... لا أحد يرويها، لكنها لا تتوقف عن الإزهار.
بعد رحيل زوجها، لم تُفكر يومًا في الرحيل عن بيت ولدها. لم تكن عبئًا، بل ظلاً دافئًا يمتدّ فوق رؤوس الجميع. كانت تستيقظ قبل الفجر، توقظ الأحفاد، تطبخ العدس برائحة الحب، وتقرأ القرآن بصوت لا يكاد يُسمع، كأنها تهمس لله وحده.

لم تشكُ يومًا، ولم تطلب شيئًا، حتى ظنّت الأيام أنها لا تحتاج شيئًا.
وفي مساءٍ من مساءات العمر المتعبة، جاءها ولدها عبد الله، وجهه يشعّ بضياءٍ غريب، ونظرته تحمل دفئًا غامضًا. جلس عند قدميها، قبّلهما، ثم قال:
– "يمّه، حجزتلج سفرة عمرة."

في لحظةٍ واحدة، بدا كلّ التعب الذي عاشته كريحٍ انحسرت فجأةً عن وجه الأرض.
كان الوعد كنسمةٍ من الجنّة، والفرحة كصلاةٍ مستجابة. لم تنم ليلتها، ظلّت تُعدّ دعواتها، تراجع آيات الحلم، وتطوي ملابسها كما تُطوى صفحات الوداع.

هيّأت كل شيء: عباءتها الجديدة، مصحفها الصغير، الصور القديمة لزوجها التي خيطتها في جيبها الداخلي كي تُبلغه بالدعاء هناك، حيث ترتفع الأرواح ولا تُكذّب النوايا.

الطَّرِيقُ الَّذِي انْحَرَفَ
في الصباح، حملها عبد الله بسيارته. كانت تمسك مسبحتها بيد، وباليد الأخرى تداعب دعاء السفر.
الطريق امتدّ طويلاً، والسماء غائمة كأنها تتحفّظ على ما سيحدث. الشوارع تغيّرت، الوجوه خارج النافذة لم تكن وجوه الحرم، بل ملامح شاحبة تقود إلى اللامكان.

وحين توقّف أمام مبنى غريب، بدا كلّ شيء غريبًا: بوابة حديدية ملساء، حديقة ذابلة، صمتٌ ثقيلٌ كالمقابر.

قال بصوت متماسك:
– "يمّه... هذا المكان أريح لج. تهتم بيج ناس متخصصين، وإحنا نجي نزورج كل جمعة."

لم يكن بحاجةٍ لشرحٍ أكثر.
كان الحارس واقفًا، يدوّن الاسم في دفترٍ أصفر، والحقائب تُنقل كأنها ليست أكثر من بقايا حلم.
عبد الله قبّل رأسها، وابتعد... دون أن يلتفت.

في تلك اللحظة، لم تبكِ "أم عبد الله" من الخذلان، بل من التصديق.
كيف صدّقت؟ كيف هيّأت قلبها للسماء، فإذا بها تُلقى على عتبة الأرض؟
لم تغضب، لا... فالغضب لا يليق بأمٍّ تعبت من الحب، لكن الندم كان صامتًا في عينيها كدمعةٍ رفضت السقوط.


في الليلة الأولى، جلست في غرفتها الجديدة: سرير معدني، جدران كأنها لم تسمع يومًا دعاءً، وممرّات تتنفس من وجع الآخرين.
وضعت مصحفها بجانب الوسادة، لكن عيناها ظلّتا تحدّقان في الباب... لعلّ أحدهم يخطئ الطريق ويأتي بها إلى الحرم الحقيقي.

في اليوم الثاني، جاءت إحدى العاملات لتسألها إن كانت بخير، فأجابت:
– "أنا لا أحتاج شيئًا... فقط دليني، أين القبلة؟"

صلّت، ثم همست وهي ساجدة:
– "اللهم لا تُحاسبني على طيب نيّتي... ولا على رجاءٍ وضعتُه في غير موضعه."

كانت كل زيارة من عبد الله جمعةً جديدة من الصمت، تأتيه بالتمر والدعاء، ويأتيها بالمجاملات والسرعة. لم يلحظ نحول وجهها، ولا احتباس الكلام في شفتيها.
لكنها لم تعد تنتظر شيئًا. لقد حجّت، نعم... لكن إلى الحقيقة، لا إلى الحرم.

في أحد الأيام، بينما كانت تجلس في الحديقة الميتة، وقعت عيناها على زهرةٍ صفراء تنمو وحدها في زاوية الحائط.
ابتسمت وقالت لها:
– "أنتِ مثلي... لم تختاري المكان، لكنك أزهرتِ رغم الجدران."


لم تُذلّ حين خذلها ابنها، بل حين علّقت قلبها على خيوطٍ لم تحتمل وزنها.
لم تكن رحلتها إلى الكعبة، بل إلى بصيرةٍ ترى ما وراء الوعود.
ولم تكن النهاية دارًا تُغلق عليها الباب، بل نافذة فُتحت لها على العالم كما هو، بلا تزييف.

هكذا انطفأ الحلم، لكن لم ينطفئ الإيمان.
وهكذا عرفت "أم عبد الله" الحقيقة الكبرى:
أنّ الله لا يُرى من وراء الجدران فقط، بل من خلال دمعةٍ نزلت في صمت، وعينٍ صلّت وهي مفتوحة، وقلبٍ خُذل لكنه ما خان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نقاش الساعة - أمريكا وإيران تبحثان عن صيغة اتفاق تضمن المخرج


.. مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم -




.. مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن


.. -أرستقراطية الشاشة-.. ذكرى رحيل الفنانة ميمي شكيب




.. جمع بين التمثيل والغناء والإعلام.. ذكرى رحيل الفنان الشامل س