الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قراءة نقدية في مقال “لماذا تعادي أميركا الصين بهذه الشراسة؟” – د. جيسون هيكل ود. ديلان سوليفان

فاروق محمد الشاوي
(Farouk M. El-shawy)

2025 / 8 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


يقدّم المقال الذي كتبه جيسون هيكل وديلان سوليفان ( لماذا تعادي أميركا الصين بهذه الشراسة؟) والذي نُشر في شبكة الجزيرة، 6 أغسطس/آب 2025 ، قراءة تُصنَّف بوضوح في خانة “النصوص المتموضعة أيديولوجيًا”، إذ يُقدّم صراع الولايات المتحدة مع الصين من منظور واحد يكاد يكون تبشيريًا: الغرب شرٌّ إمبريالي يسعى لنهب الجنوب العالمي، والصين ضحية تصعد رغم المؤامرات. صحيح أن الكاتبين ينجحان في ربط التوتر القائم بالبنية العميقة للنظام الرأسمالي العالمي، إلا أن هذه القراءة أحادية الاتجاه تفتقر إلى التفكيك النقدي لجوانب الخلل في الطرفين.

من نقاط قوة المقال أنه يتجاوز الإعلام الغربي السطحي ويعتمد على مقاربة “النظام العالمي” التي ترى العلاقات الدولية كعلاقات مركز–أطراف محكومة بالتبادل غير المتكافئ. كما يوظف بيانات رقمية وأمثلة واضحة – كارتفاع الأجور الصينية من أقل من دولار واحد في الساعة عام 2005 إلى أكثر من 8 دولارات في 2025 – لشرح أثر ذلك على أرباح الشركات الغربية، مع ربطها بتوسّع خدمات الدولة الصينية وتحسن القوة التفاوضية للعمال. هذه التفاصيل تمنح المقال مصداقية رقمية وتشد القارئ الباحث عن تفسير اقتصادي لا دعائي.

لكن المشكلة الجوهرية تكمن في أن الكاتبين يتعاملان مع الصين ككتلة خيرية نقية تواجه عدوانًا خارجيًا، متجاهلين عمداً ملفات حساسة مثل سياسات بكين في بحر الصين الجنوبي، الضغوط على الأقليات (كالأويغور)، تقييد الحريات السياسية، أو حتى ممارساتها التجارية التي أثارت شكاوى دول الجنوب نفسها. تجاهل هذه الجوانب يحوّل النص من تحليل سياسي إلى خطاب تبريري، ما يضعف قيمته الأكاديمية ويعطيه طابع “النص الانحيازي” أكثر من “المقال التحليلي”.

كذلك، يميل المقال إلى التفسير التآمري المبسط، حيث يتم حصر الدوافع الأميركية في الرغبة باستعادة السيطرة على العمالة الرخيصة وكسر صعود الصين التكنولوجي. بينما الواقع أكثر تركيبًا: هناك ديناميكيات داخلية في السياسة الأميركية – مثل مخاوف الطبقة الوسطى من فقدان الوظائف، وضغط الصناعات الدفاعية، وصراعات الكونغرس الحزبية – وهي عوامل لا يمكن إغفالها إن أراد النص أن يكون تشريحًا شاملًا لا لائحة اتهام أحادية.

من حيث الأسلوب، يعتمد المقال على سرد متماسك لكنه يفتقر إلى عرض وجهات نظر مضادة أو حتى الإشارة إليها ثم تفنيدها، وهو عنصر أساسي في أي نص جدلي محترف. فحين يُغفل الكاتبان الرواية الأميركية تمامًا، حتى بغرض تفكيكها، يفقد النص إحدى أهم أدوات الإقناع لدى القارئ المتشكك. كذلك، فإن الاستخدام المكثف للغة تقريرية قطعية (“السبب الحقيقي هو…”، “هذه ليست سوى دعاية محضة”) يضع القارئ أمام خطاب مغلق لا يسمح بالتساؤل، وكأن النتيجة حُسمت قبل النقاش.

كما أن الاعتماد على أمثلة اقتصادية وتكنولوجية دون ربطها بتحولات المشهد الجيوسياسي الأوسع (تايوان، تحالفات المحيط الهادئ، سباق التسلح في الفضاء السيبراني) يجعل المقال ناقص البنية، إذ يختزل الصراع في بعدين فقط: الأجور والتكنولوجيا. في حين أن أي تحليل متزن يحتاج إلى رسم صورة متعددة الطبقات تشمل البعد الأمني، التاريخي، والثقافي.

خلاصة القول: المقال غني بالأرقام والتحليلات الاقتصادية لكنه فقير بالتعددية التحليلية. هو نصّ منحاز أيديولوجيًا بوضوح، يقرأ الصراع من نافذة واحدة ويغلق النوافذ الأخرى عمدًا. وإذا كان هدفه إقناع القارئ الغربي أو المحايد، فإنه يعاني من فجوة حوارية كبيرة؛ أما إذا كان الهدف التعبئة لصالح رواية بعينها، فهو يحقق غايته بكفاءة. لكن هذه الكفاءة تأتي على حساب الموضوعية والتوازن، مما يجعله مثالًا على أن التحليل العميق من زاوية واحدة قد يكون بدوره شكلاً آخر من أشكال الدعاية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصين تدعو لوقف الصراع الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز


.. نافذة تحليلية - دلالات صفقة القنابل الأمريكية الجديدة لإسرائ




.. صفقة ذخائر أميركية ضخمة لإسرائيل.. لماذا الآن؟ وأين ستستخدم؟


.. الدفاع المدني في غزة ينتشل 21 شهيدا من تحت أنقاض بناية السعا




.. نتنياهو يلوح بسحب الجنسية من المتهمين بتشويه سمعة الجيش الإس