الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تجريم التضامن: قراءة نقدية في مقالة جورج مونبيوت حول فلسطين أكشن

فاروق محمد الشاوي
(Farouk M. El-shawy)

2025 / 8 / 11
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


في مقاله المنشور في صحيفة The Guardian، بتاريخ 30 يوليو 2025 يتناول الكاتب البريطاني جورج مونبيوت قضية محاكمة ناشطي حركة Palestine Action، مسلطًا الضوء على ما يراه انحدارًا خطيرًا في الحريات المدنية داخل المملكة المتحدة، وخاصة حرية الاحتجاج والتعبير، عندما يتعلق الأمر بمواقف ناقدة لإسرائيل أو داعمة للقضية الفلسطينية. ينطلق مونبيوت من حادثة محددة — وهي محاكمة مجموعة من الناشطين الذين استهدفوا مقرات شركات مرتبطة بتصدير السلاح إلى إسرائيل — ليبني أطروحة أوسع حول تآكل المساحات الديمقراطية في الغرب، واصطفاف مؤسسات الدولة مع مصالح الشركات والأطراف الأجنبية على حساب حقوق المواطنين.

من حيث البنية، يعتمد المقال على المزج بين السرد الوقائعي والتحليل السياسي. فهو يقدّم خلفية موجزة عن حركة Palestine Action، ثم يصف سياق المحاكمة وأجواء التضييق القانوني، لينتقل بعد ذلك إلى نقد أعمق للبنية التشريعية البريطانية، خاصة القوانين الجديدة التي تُضيّق على الاحتجاجات. غير أن قوة النص تكمن في قدرته على الربط بين هذه القضية المحلية وقضايا أوسع، كالتواطؤ الغربي في دعم سياسات الاحتلال، والازدواجية في تطبيق مبادئ “حرية التعبير”.

لكن المقال — رغم أهميته — يمكن قراءته على عدة مستويات نقدية. أولًا، على مستوى الحجة، يطرح مونبيوت خطابًا أخلاقيًا قويًا ضد القمع، لكن اعتماده شبه الكلي على رواية طرف واحد (النشطاء) قد يجعل النص أقرب إلى المرافعة منه إلى التحقيق المتوازن. لا يعني ذلك أن روايته غير صحيحة، لكن القارئ الذي يبحث عن تحليل متعدد الأصوات قد يشعر بغياب الصوت الآخر — مثل موقف الحكومة البريطانية أو تبريراتها القانونية — إلا بالحد الأدنى، ما يجعل المقال أداة إدانة أكثر من كونه منصة نقاش.

ثانيًا، هناك ملاحظة حول التوجه الخطابي: مونبيوت يميل في كتاباته إلى تصعيد النبرة الأخلاقية حتى تصل إلى حد القطعية. هذا الأسلوب يُكسب النص حرارة وحضورًا، لكنه في الوقت نفسه قد يدفع بعض القراء الذين يختلفون معه سياسيًا إلى الانسحاب من النص قبل استكماله، لأنه لا يمنحهم مساحة للتفكير النقدي داخل منطقهم الخاص.

ثالثًا، في سياق أوسع، يضع مونبيوت قضية فلسطين أكشن ضمن سردية “انحسار الديمقراطية الليبرالية” في الغرب. وهو طرح وجيه من حيث التشابه بين القوانين المقيدة للاحتجاج في بريطانيا، وأمثلة مشابهة في الولايات المتحدة وفرنسا. لكن يبقى السؤال: هل هذه الظواهر عرضية ومؤقتة بفعل ظرف سياسي وأمني محدد، أم أنها تحوّل بنيوي نحو نموذج سلطوي مقنّع؟ المقال يلمّح إلى الاحتمال الثاني، لكنه لا يقدم ما يكفي من الأدلة الإحصائية أو المقارنة لتأكيده، مكتفيًا بالاستدلالات النوعية وحالات فردية.

من الناحية البلاغية، نجح مونبيوت في خلق لغة تجمع بين المباشرة والتحريض الأخلاقي. عباراته المكثفة وصوره اللغوية — مثل توصيفه للمحاكمات بأنها “إعادة تعريف الجريمة” أو تشبيهاته بالممارسات الاستعمارية — تمنح المقال طابعًا تعبويًا يهدف إلى إيقاظ حس القارئ النقدي. لكن هذه اللغة نفسها قد تُستخدم ضده، إذ يمكن لخصومه أن يصفوها بأنها خطاب عاطفي أكثر من كونه تحليلاً قانونيًا أو سياسيًا دقيقًا.

أحد أوجه القوة في المقال هو الربط بين البنية الاقتصادية (شركات السلاح) والبنية القانونية (القوانين القمعية) والبنية السياسية (العلاقات مع إسرائيل). فمونبيوت لا يعزل القضية الفلسطينية عن شبكات المصالح العابرة للحدود، بل يضعها في قلب معادلة “رأس المال – الدولة – العنف”. هذا الربط يجعل المقال وثيقة اتهام شاملة ضد النظام السياسي البريطاني، أكثر منه مجرد نص تضامني مع حركة احتجاجية.

لكن يظل هناك نقص في تقديم بدائل أو رؤى إستراتيجية. فالمقال ينتقد القمع ويصف أضراره، لكنه لا يناقش بعمق كيف يمكن مواجهة هذا التضييق بشكل فعّال داخل إطار القانون، أو كيف يمكن إعادة بناء حركة تضامن بريطانية مع فلسطين تستطيع الصمود أمام الضغوط. ربما يعود هذا إلى طبيعة المقال الصحفية، التي تميل إلى دق ناقوس الخطر أكثر من تقديم البرامج العملية، لكن ذلك يترك فراغًا قد يلتقطه القارئ الناقد.

ختامًا، يمكن القول إن مقالة جورج مونبيوت تمثل امتدادًا لموقفه المعروف في الدفاع عن القضايا البيئية والحقوقية ومناهضة الاحتلال والاستعمار. قوتها في وضوح موقفها الأخلاقي، وقدرتها على فضح التشابك بين رأس المال والسياسة والقمع، لكنها تتسم أيضًا بانتقائية في عرض الأصوات، وبتوجه تعبوي قد لا يقنع سوى من هم مقتنعون أصلًا بالقضية. ومع ذلك، فإن النص ينجح في إثارة سؤال جوهري: إذا كانت الديمقراطيات الغربية نفسها بدأت تُجرّم التضامن مع الشعوب المقهورة، فماذا بقي من خطاب الحرية الذي تتبناه؟

بهذا المعنى، يتجاوز المقال مجرد الدفاع عن Palestine Action، ليصبح مرآة تعكس التناقضات العميقة في النظام الليبرالي الغربي، وتفضح هشاشة مبادئه حين تمس مصالحه الإستراتيجية. وهو بذلك يضيف حلقة جديدة في سلسلة النقاشات الضرورية حول حدود الحرية في زمن تزاوج السلطة بالمال، وتلاشي الخط الفاصل بين القانون كأداة عدالة، والقانون كأداة سيطرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نبيل بنعبد الله : من العار أن يظلَّ متقاعدٌ يتقاضى 500 درهم


.. من أجل مغرب لا يسير بسرعتين




.. تغطية القناة الثانية للحملة الإنتخابية التي ساهم فيها اليوم


.. ادغار موران وفلسفة التعقيد - د. أحمد العجارمة.




.. مشاهد من زيارة المساندة التي قام بها الأمين العام لحملة الكت