الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين بريق الشاشة وواقع القاع: قصة جيل ضائع

إكرام فكري

2025 / 8 / 13
المجتمع المدني


في زمن السوشيال ميديا، صار الحلم بالنسبة لكثير من الفتيات مشهدًا متكررًا: هدايا فاخرة، بيوت مستقلة، سفريات، وحياة مليئة بالترف تُعرض يوميًا على إنستغرام. صور لا تعكس الواقع، لكنها زرعت في النفوس تطلعات لا تعترف بالحدود، تطلعات بعيدة كل البعد عن الإمكانيات المتاحة في بيئة اقتصادية تعاني من البطالة وقلة الفرص، حيث يتصادم الحلم مع حقيقة لا تعرف الرحمة.

هناك من يستغل هذا الفراغ النفسي والاجتماعي، ويحوّل هذه الأحلام إلى أدوات في يد مافيات غسيل الأموال والتجارة بالبشر... الهدايا الفاخرة، الرحلات المدفوعة، والمنتجات الفخمة التي تصل إلى تلك المؤثرة فجأة ليست مجاملات بريئة، بل وسائل مدروسة بعناية لإدخال أموال مشبوهة إلى السوق عبر قنوات تبدو مشروعة. هذه الهدايا تُستخدم كغطاء يبيّن للعيان صورة زائفة من النجاح والثراء، في حين تكون الباب الخلفي لصفقات مالية غامضة. ثم تبدأ الاتصالات التي قد تصلك من شركات وعلامات تجارية تعرض فرص "الإعلان" والترويج، والتي غالبًا ما تكون مدخلًا تدريجيًا لعالم أكثر ظلمة. حيث تتحول العلاقات الاجتماعية إلى شبكة من التزامات غير معلنة، يُطلب فيها من الفتيات تقديم خدمات قد تصل إلى بيع أجسادهن مقابل استمرار هذا "النجاح" المزيّف. لا يصبح الأمر مجرد حلم زائف، بل فخًا يُحتجز فيه الكثيرات، يصعب الخروج منه دون أن تدفع النفس ثمنًا باهظًا. هنا تتحول الأحلام البريئة إلى براءة تُقايض، والكرامة إلى تجارة.

أما الشاب، فقد نشأ في بيئة تشعره بأنه فوق النقد، يملك الحق دون مساءلة. هذه التربية، التي لم تبنِ شخصيته على المسؤولية والعمل، أفرزت شخصية متعجرفة ترفض التحديات، تتبنى الخمول المرفه، وتطالب بحقوق مبالغ فيها، مما خلق فجوة عميقة بينه وبين الواقع. الشاب لا يقبل بأجر بسيط في العمل، ويرى أن فرص العمل التي قد تتاح له لا تليق بمكانته، فلا يبذل جهدًا حقيقيًا، ولا يرغب حتى في المحاولة.

وبينما يرفض هو العمل على أجر متواضع، يفضل أرباب العمل توظيف الفتيات أكثر، لأنهن يظهرن التزامًا ومسؤولية ظاهرة، وأكثر استعدادًا لقبول الأجور المنخفضة، ليس بدافع المساواة أو العدالة، بل استنادًا إلى منطق اقتصادي بارد يرى فيهن أداة ربح تُستخدم وتُستغل. في هذا السوق، يصبح الجسد الأنثوي ليس مجرد كائن بشري بل سلعة وأداة تسويق تُوظف في الإعلانات وعلى شاشات التلفاز، أو حتى في تجارة أكثر ظلمة. هكذا، تُستغل الفتاة بطرق عدة، بينما يحاول الشاب الحفاظ على مكانته بلا حركة ولا تغيير.

في هذا السياق، تتلاقى أحلام الفتاة مع تعجرف الشاب في دوامة من الانفصال عن الواقع، يولد منها جيل يحمل آمالًا خادعة ويعيش جروحًا لا تُرى، وصولًا إلى عزوف جماعي عن الزواج، ارتفاع غير مسبوق في نسب الطلاق، وخلق علاقات هشة لا تصمد أمام أصغر اختبار. هذه الظاهرة تتغذى على تناقضات مجتمع لا يعرف كيف يوازن بين أحلامه وإمكانياته، وبين الماضي الثقافي الراسخ والحداثة التي تفرض نفسها بقوة عبر شاشات الهواتف الذكية.

نحن إذن أمام مأساة اجتماعية أعمق من مجرد أوهام رفاهية مزيفة. إنها مأساة ضياع القيم، وانتكاس روح المسؤولية، وتحول الإنسان إلى دمية في مسرحية تديرها مافيات المال والسطحية الإعلامية. مأساة تجعل من كل واحد منا، مهما كان موقفه، جزءًا من هذه الدوامة: إما لاعبًا يستغل الآخر، أو ضحية تنقاد خلف صور براقة لا تحمل سوى الظلال.

في عصر تسرع فيه كل شيء، وتختصر فيه اللحظات في وميض شاشة آيفون، يصبح الإنسان أقل اتصالًا بذاته، وأكثر تعلقًا بصورة زائفة للذات. هذه السرعة التي لا تتوقف، والتي جعلتنا نعتقد أن النجاح يُقاس بالسرعة والسطحية، ليست سوى غطاء لعتمة أعمق، تجعل من الحلم الحقيقي، ذاك الحلم الذي يُبنى على العمل، الاحترام، والصدق، ضربًا من الخيال.

وهكذا، في صمت الليل، حين تُطفأ شاشات الهواتف وتعود الأرواح إلى مواجهتها الحقيقية، تبقى هذه الأسئلة معلقة: هل سنقبل أن نعيش في وهم الرفاهية حتى نفقد ذواتنا؟ وهل يمكننا أن نعيد بناء مجتمع لا يُخدع بالبهرج، بل يقيم على صلابة الواقع، وعلى حلم يُحترم لأنه مبني على الحقيقة؟

هذه هي معضلتنا، التي لا تحتاج فقط إلى تغيير اجتماعي أو اقتصادي، بل إلى ثورة في الوعي، تبدأ بأن نعود لنعرف أنفسنا بعيدًا عن الصور، بعيدًا عن التوقعات المزيفة، بعيدًا عن كل ما يُشعرنا أننا أقل مما نحن عليه حقًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحذير من تزايد اعتماد الأطفال على الذكاء الاصطناعي.. اليونيس


.. اليونيسف تحذر من ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال في ال




.. العراق يغيّر قواعد مكافحة الفساد.. ماذا بعد القرار القضائي ا


.. الضفة تحت نار المستوطنين والاحتلال.. هجمات واعتقالات متواصلة




.. احتجاجات جنوب إفريقيا.. مطالب بترحيل المهاجرين واعتقالات واس