الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خطة نتنياهو الوحشية في غزة: مجازفة بمستقبل إسرائيل للكاتب: سام كيلي

فاروق محمد الشاوي
(Farouk M. El-shawy)

2025 / 8 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


وسط تصاعد الدخان من غزة وتزايد الأصوات الغاضبة في العواصم الغربية، يطرح مقال سام كيلي وهو صحافي بريطاني متخصص في شؤون الشرق الأوسط والسياسة الدولية. ، في “إندبندنت عربية” سؤالًا جوهريًا: هل يخاطر بنيامين نتنياهو بمستقبل إسرائيل حين يقرر إعادة احتلال القطاع؟ المقال يقدّم تحليلًا لخطته المثيرة للجدل، لكن النقاش حولها يكشف أبعادًا أعمق تتجاوز حدود السياسة الإسرائيلية إلى مستقبل المنطقة بأسرها.

أولاً: الخطة بين الأهداف المعلنة والمصالح الخفية

يشير المقال إلى أن أهداف نتنياهو المعلنة تشمل القضاء على حماس، وتحرير الرهائن، وفرض إدارة بديلة للقطاع. هذه الأهداف تبدو في ظاهرها أمنية، لكنها في العمق تحمل بُعداً سياسياً شخصياً واضحاً. نتنياهو، الذي يواجه قضايا فساد وانقساماً داخلياً حاداً، يدرك أن استمرار الحرب يمنحه غطاءً سياسياً لإبقاء المعارضة في موقع الدفاع، ويؤجل أي استحقاق انتخابي أو قضائي قد يطيح به. من هنا، فإن الحديث عن “أمن إسرائيل” يصبح جزءاً من استراتيجية بقاء شخصي، وليس رؤية استراتيجية طويلة الأمد.

ثانياً: العزلة الدولية وتصاعد الضغوط

يلفت سام كيلي إلى أن الخطة تضع إسرائيل على مسار تصادمي مع جزء كبير من المجتمع الدولي. ألمانيا أعلنت وقف بيع الأسلحة، والعديد من الدول الأوروبية أبدت استعداداً لمراجعة علاقاتها العسكرية والتجارية مع تل أبيب. كما أن محكمة العدل الدولية تتلقى ضغوطاً متزايدة لفتح ملفات جرائم الحرب. هذه المعطيات تشير إلى أن مشروع نتنياهو يعيد إنتاج عزلة كانت إسرائيل قد خرجت منها جزئياً بعد اتفاقات أبراهام. ومع استمرار صور الدمار والضحايا المدنيين، فإن أي محاولة لتسويق الاحتلال على أنه “عملية أمنية” تصبح أقل إقناعاً للرأي العام الغربي، خصوصاً في ظل استطلاعات الرأي التي تُظهر تراجع الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل.

ثالثاً: مأزق الدعم الأميركي

يعتمد نتنياهو على الدعم الأميركي ليس فقط في السلاح، بل في الغطاء السياسي داخل المؤسسات الدولية. صحيح أن واشنطن تقدم لإسرائيل مساعدات عسكرية سنوية بمليارات الدولارات، لكن استطلاعات الرأي الأخيرة، التي أشار إليها المقال، تُظهر أن أغلبية الأميركيين باتوا يعارضون الحرب في غزة. هذا التحول يعكس تنامياً في الوعي الشعبي بفظاعة ما يجري، ويضع قيوداً على قدرة أي إدارة أميركية على الاستمرار في الدعم غير المشروط. في حال تغير المزاج السياسي في الكونغرس أو البيت الأبيض، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام أزمة استراتيجية غير مسبوقة.

رابعاً: الكلفة الإنسانية والأمنية

خطة إعادة احتلال غزة تتطلب إخلاء مئات آلاف السكان، وهو ما يرقى، وفق القانون الدولي، إلى جريمة تهجير قسري. هذه الخطوة لا تمثل فقط كارثة إنسانية، بل أيضاً عبئاً أمنياً طويل الأمد. فالتاريخ العسكري الإسرائيلي يظهر أن الاحتلال المباشر يولّد مقاومة أعنف، كما حدث في جنوب لبنان قبل الانسحاب عام 2000. أي محاولة للسيطرة على غزة بالقوة ستفتح جبهة استنزاف دائمة، وسيصبح الجيش الإسرائيلي غارقاً في بيئة حضرية معادية، ما يزيد من خسائره ويستنزف موارده.

خامساً: المؤسسة الأمنية في موقع الحذر

كما يذكر المقال، فإن المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية ليست موحدة خلف الخطة. بعض القادة يرون أن العملية تضع الرهائن الإسرائيليين في خطر أكبر، وأنها قد تؤدي إلى استنزاف طويل بلا أفق سياسي. الخلاف بين القيادة السياسية والعسكرية يعكس خللاً في صناعة القرار، حيث تتغلب الحسابات السياسية على التقديرات العملياتية. هذا الانقسام ليس جديداً في إسرائيل، لكنه في هذه المرحلة قد يؤدي إلى أزمات داخلية أعمق، وربما إلى استقالات أو تمرد صريح على قرارات الحكومة.

سادساً: البعد الأخلاقي والديمقراطي

من النقاط الجوهرية التي يثيرها المقال، ويستحق البناء عليها، أن الخطة تمثل اختباراً لمفهوم “الديمقراطية الإسرائيلية” الذي لطالما جرى تسويقه في الغرب. كيف يمكن لدولة تدّعي احترام القيم الديمقراطية أن تفرض حصاراً خانقاً، ثم تشن حرباً مدمرة، ثم تسعى لاحتلال أرض وطرد سكانها؟ هذا التناقض لا يمر مرور الكرام على المجتمعات الغربية التي تربط بين القيم السياسية والسلوك الخارجي للدول. استمرار الاحتلال والسياسات القمعية سيجعل من الصعب على إسرائيل الدفاع عن صورتها كدولة ديمقراطية أمام جمهورها وأمام العالم.

سابعاً: بدائل مغيبة

غياب أي رؤية سياسية بديلة هو ما يجعل خطة نتنياهو أشبه بمقامرة يائسة. فبدلاً من البحث عن حلول سياسية أو تفاهمات إقليمية، يجري الدفع باتجاه خيار عسكري مفتوح. التجارب التاريخية في المنطقة تُظهر أن الحروب التي تفتقر إلى أفق سياسي تنتهي غالباً إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال أشد قسوة. كان يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تستثمر الضغط العسكري لتحقيق تسوية مرحلية، أو فتح قنوات تفاوض غير مباشرة، لكنها اختارت الطريق الذي يغلق كل الأبواب.

ثامناً: الرد الممكن

الرد على ما طرحه سام كيلي لا يعني بالضرورة معارضة تحليله، بل تعميقه. نعم، خطة نتنياهو خطيرة على إسرائيل نفسها، لكن الأخطر أنها تفتح الباب لسابقة سياسية خطيرة في المنطقة، حيث تُشرعن القوة المفرطة والتهجير كأدوات سياسية. هذا النهج قد يشجع قوى أخرى في المنطقة على تبني سياسات مشابهة، مما يزيد من تفكك النظام الإقليمي ويضعف أي إمكانية لإقامة منظومة أمن جماعي. من هنا، فإن مواجهة الخطة لا تهم الفلسطينيين وحدهم، بل كل الأطراف التي ترى في القانون الدولي والمبادئ الإنسانية ضمانة للاستقرار.

تاسعاً: الخلاصة

يمكن القول إن المقال ينجح في كشف جانب مهم من المخاطر التي تحملها خطة نتنياهو، لكنه يفتح أيضاً باباً لنقاش أوسع حول مستقبل الصراع نفسه. إذا كانت إسرائيل ترى في غزة مجرد ساحة أمنية، فإنها تتجاهل حقيقة أن الصراع في جوهره سياسي وتاريخي. أي خطة لا تعالج جذور المشكلة—الاحتلال، الحصار، انعدام الأفق السياسي—ستظل مجرد حلقة في دوامة العنف.
المستقبل الذي يلوّح في الأفق، إذا مضت الخطة قدماً، ليس فقط “مستقبل إسرائيل” كما عنون المقال، بل مستقبل المنطقة كلها، حيث ستترسخ ثقافة القوة على حساب القانون، وسيُدفع ثمنها أجيال كاملة من الطرفين. من هنا، فإن الرد الحقيقي على الخطة لا يكون بانتقادها فحسب، بل بالعمل على بناء بدائل عملية، سياسية وأمنية، تعيد فتح مسار يفضي إلى حل دائم، حتى لو بدا هذا المسار بعيد المنال في اللحظة الراهنة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصين تدعو لوقف الصراع الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز


.. نافذة تحليلية - دلالات صفقة القنابل الأمريكية الجديدة لإسرائ




.. صفقة ذخائر أميركية ضخمة لإسرائيل.. لماذا الآن؟ وأين ستستخدم؟


.. الدفاع المدني في غزة ينتشل 21 شهيدا من تحت أنقاض بناية السعا




.. نتنياهو يلوح بسحب الجنسية من المتهمين بتشويه سمعة الجيش الإس