الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


**مدن الضياع: سفر الأساطير المنسية في زمن الوجع**

خيرالله قاسم المالكي

2025 / 8 / 14
الادب والفن


**مدن الضياع:
سفر الأساطير المنسية في زمن الوجع**

فَقِيرَةٌ هِيَ مَدَائِنُنَا...
شَوَارِعُهَا مَسْلُوبَةٌ مِنْ حُلْمِ الْعَابِرِينَ،
وَأَزِقَّتُهَا تَسْقُطُ كَأَوْرَاقِ الْخَرِيفِ تَحْتَ أَقْدَامِ السُّكَّارَى وَالْمُهَوَّسِينَ.
يَتَّكِئُونَ عَلَى الْأَبْوَابِ كَالظِّلَالِ الْعَطِشَى،
وَيَتَنَاجَوْنَ أَمَامَ الْأَنْظَارِ فِي سَمَاءٍ مُثَقَّلَةٍ بِالْأَنْجُمِ الْمُسْتَعَارَةِ،
فَوْقَ أَضْرِحَةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُغْبَرَّةِ،
وَتَحْتَ تُرَابِ الْأَسْلَافِ فِي زَمَنٍ لَا يَعْرِفُ إِلَّا الْإِهَانَةَ.

زَفَّةُ عُرْسٍ بِدُونِ رَاقِصِينَ،
وَلَا دُفُوفَ إِلَّا هَلَاهِلَ بِهَائِمِيَّةٍ،
وَصَدَى أَيْدٍ مَجْرُوحَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَبْنِيَ مِنَ الْأَوْجَاعِ مَقَامَاتٍ لِلسُّجُودِ.
هُنَاكَ، حَيْثُ يُذْكَرُ اسْمُ اللهِ فِي صَلَاةِ الْمَوْتَى،
وَتُشَيَّعُ الْجَنَائِزُ فِي صَمْتٍ يُشْبِهُ نَشِيدَ الْمَلَائِكَةِ الْعَلْقَى.

مَلَاذَاتُ الْمَدِينَةِ؟
مَسَاطِبُ خَشَبِيَّةٌ تَحْتَ ظِلَالِ الْآسِ،
تَعْبَقُ بِعِطْرِ "مَلَكَاتِ اللَّيْلِ"،
وَتَهْتَزُّ بِإِيقَاعِ طُبُولِ بَائِعِي الْهَوَى،
فِي زَحْمَةِ نَخْلٍ زَرَعَتْهُ أَيْدٍ مِنْ صُلْبِ مَدِينَةٍ مَنْسِيَّةٍ.
شَوَارِعُهَا تَنَامُ عَلَى خَاصِرَةِ الطِّينِ الْفُرَاتِيِّ،
الطِّينِ الْمَمْزُوجِ بِالْمَاءِ وَالْهُذَيَانِ،
الْمُهَوَّسِ بِفَرَحٍ لَمْ يَعُدْ يُوجَدُ.

فِي هَذِهِ الْمَدَائِنِ،
لَا وَطَنَ لِلْعِبَادِ إِلَّا الْجُرُوحُ،
وَلَا ذِكْرَى إِلَّا لِطُفُولَةٍ مُنْسِيَّةٍ.
يَعْبُدُونَ الْأَرْصِفَةَ،
وَيَبْنُونَ لِلْمَقَامَاتِ مَنَابِرَ مِنْ سِحْتٍ مُقَدَّسٍ،
بِأَرْدِيَةٍ مُرَقَّطَةٍ،
طَوِيلَةٍ كَزَمَنٍ مُلْتَبِسٍ،
قَصِيرَةٍ كَحَيَاةِ شَحَّاذٍ عَلَى أَبْوَابِ الْقُبُورِ،
يُرَتِّلُ أَدْعِيَةً لَا يَسْمَعُهَا أَحَدٌ.

مَقَامَاتُ الرَّبِّ؟
أَرْضٌ وَمَدَائِنُ،
فِيهَا مَنْ لَمْ يَرْتَقِ مِنْبَرًا قَطُّ،
لِأَنَّ الْمَنَابِرَ صُنِعَتْ مِنْ أَشْجَارٍ مُقْتَلَعَةٍ مِنْ مَدَائِنَ مَسْلُوبَةٍ.
مَدَائِنُ بِأَنْسَابٍ عَتِيقَةٍ،
وَمَآذِنُهَا مُخَضَّبَةٌ بِدَمٍ قَانٍ،
يَسْفَحُ عَلَى جُدْرَانِ الْمَقَامَاتِ،
كَشَوَاهِدَ لَا تَبْلَى،
أَوْ كَكَلِمَاتٍ انْفَلَتَتْ مِنْ فَمِ حَجَرٍ قَدِيمٍ،
يُحْسِنُ النَّوَاحَ أَكْثَرَ مِنَ الْبَشَرِ.

فِي مَسَاءٍ لَا يُشْبِهُ أَيَّ مَسَاءٍ،
دَخَلَ "الرَّاوِي" مَدِينَةً لَا اسْمَ لَهَا.
لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عَلَى الْخَرَائِطِ،
وَلَا تَصِلُهَا طُرُقٌ مَعْرُوفَةٌ.
كُلُّ مَا يَذْكُرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فِي "مَدَائِنِ الضِّيَاعِ".

عِنْدَ بَوَّابَتِهَا، اسْتَقْبَلَتْهُ امْرَأَةٌ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَوَجْهٍ مَشْقُوقٍ،
قَالَتْ لَهُ دُونَ أَنْ تَفْتَحَ فَمَهَا:
**"لَا تَسْأَلْ عَنِ الطَّرِيقِ، فَالطَّرِيقُ أَنْتَ."**

دَخَلَ.

كَانَتِ الشَّوَارِعُ مَسْلُوبَةً،
مَرْمِيَّةً كَجُثَثِ حَرْبٍ لَمْ تُحْصَ بَعْدُ.
رَأَى السُّكَّارَى يَتَرَنَّحُونَ،
وَالْمُهَوَّسِينَ يَتَهَافَتُونَ خَلْفَ الْأَبْوَابِ،
وَتَحْتَ سَمَاءٍ غَرِيبَةٍ تُشْبِهُ سَقْفَ مَعْبَدٍ مَكْسُورٍ.

مَرَّ بِمَقْهًى لَا يَجْلِسُ فِيهِ أَحَدٌ،
وَلَكِنَّ ضَحِكَ الْأَشْبَاحِ يَتَعَالَى مِنْهُ.
وَمَرَّ بِمَقْبَرَةٍ لَا تُوجَدُ فِيهَا جُثَثٌ،
وَلَكِنَّ الْجَنَائِزَ تَمُرُّ كُلَّ سَاعَةٍ.

فِي السَّاحَةِ الْكُبْرَى،
وَجَدَ مَقَامًا ضَخْمًا تُدَلِّي مِنْهُ رَايَاتٌ بَيْضَاءُ،
مُلَوَّثَةٌ بِحِبْرٍ أَسْوَدَ.
كَانَ النَّاسُ يَسْجُدُونَ هُنَاكَ،
لَيْسَ لِلرَّبِّ،
بَلْ لِظِلٍّ لَا يُرَى.

فِي زُقَاقٍ خَلْفَ الْمَقَامِ،
وَجَدَ رَجُلًا بِثَوْبٍ مُرَقَّطٍ،
طَوِيلٍ كَعُمْرِ الْخَطِيئَةِ،
قَصِيرٍ كَعُمْرِ الْوَعْيِ.
كَانَ يُهَمْهِمُ بِأَدْعِيَةٍ لَا تُفْهَمُ،
يَمُدُّ يَدَهُ لِلْمَارَّةِ،
وَلَكِنَّهُ لَا يَطْلُبُ مَالًا،
بَلْ ذِكْرَيَاتٍ.

اقْتَرَبَ مِنْهُ الرَّاوِي وَهَمَسَ:
**"مَنْ أَنْتَ؟"**
أَجَابَ الرَّجُلُ دُونَ صَوْتٍ:
**"أَنَا مَا تَبَقَّى مِنْكَ."**

هَرَبَ الرَّاوِي مِنَ الزُّقَاقِ،
فَوَجَدَ نَفْسَهُ فِي بُسْتَانٍ مِنَ النَّخِيلِ،
نَخِيلٍ مَزْرُوعٍ فِي طِينٍ فُرَاتِيٍّ،
مَمْزُوجٍ بِمَاءٍ غَرِيبِ الطَّعْمِ،
كَأَنَّهُ دُمُوعٌ فَاسِدَةٌ.

هُنَاكَ، رَأَى طِفْلَةً تَرْسُمُ عَلَى الْحَائِطِ،
تَرْسُمُ مَقَامَاتٍ وَمَنَابِرَ وَمَسَاطِبَ،
وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَرْسُمُهَا كُلَّهَا مَقْلُوبَةً.
سَأَلَهَا:
**"لِمَاذَا مَقْلُوبَةٌ؟"**
أَجَابَتْ:
**"لِأَنَّ الرَّبَّ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ لَا يُحِبُّ أَنْ يُرَى.. بَلْ أَنْ يُلْمَسَ."**

فِي الْأَخِيرِ،
وَجَدَ نَفْسَهُ أَمَامَ مِرْآةٍ.
وَلَكِنَّ الْمِرْآةَ لَمْ تَعْكِسْ وَجْهَهُ،
بَلْ عَكَسَتْ صُورَةَ الْمَدِينَةِ.

عِنْدَهَا أَدْرَكَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ "مَدَائِنَ الضِّيَاعِ"،
بَلْ أَنَّهُ، مُنْذُ الْبِدَايَةِ،
كَانَ أَحَدَ أَبْنِيَتِهَا.

هَذِهِ الْمَدَائِنُ لَيْسَتْ مَكَانًا،
بَلْ حَالَةٌ.
لَيْسَتْ وَطَنًا،
بَلْ جُرْحٌ لَا يَبْرَى.
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا،
يُولَدُ سَفَرٌ جَدِيدٌ،
وَيَمُوتُ ذِكْرَى قَدِيمَةٌ.
وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُهَا،
يَجِدُ نَفْسَهُ فِي النِّهَايَةِ،
مِثْلَ الرَّاوِي،
مُجَرَّدَ حَجَرٍ فِي جِدَارِهَا الْعَتِيقِ.
*لِمَنْ يَسْأَلُ: أَيْنَ الْخُرُوجُ؟*








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - الفنان أحمد جلال عبد القوي مات بنوع نادر من الس


.. هاني شنودة تنبأ لي إني هكون فنانة كبيرة.. الفنانة سيمون تحكي




.. غياب تام للمطربين فى جنازة الموسيقار هانى شنودة والشاعرة نور


.. لحظة تشييع جثمان الفنان أحمد عبد القوي وسط حالة من الحزن




.. انتظرواالمخرج أحمد خالد أمين في حلقة خاصة من برنامج #ON_Set