الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قراءة نقدية في وهم القداسة
صفاء الصافي
باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي
2025 / 8 / 15
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
منذ أربعة عشر قرنًا، أُحيط الصحابة بهالة من القداسة الموروثة، رفعوا فيها فوق مستوى البشر، حتى صار من المسلّمات أن كل ما بدر منهم هو خير، وكل خطأ هو اجتهاد، وكل اجتهاد هو فضيلة. أما ما لا يُبرر من أفعالهم، فإما يُردُّ إلى "مؤامرات دسها أعداء الإسلام في كتب التاريخ"، أو يُصنّف كـ"فتنة" يُطالب المسلم بالصبر عليها دون مساءلة.
غير أن من يقرأ التاريخ بعين ناقدة، بعيدًا عن سطوة التقديس، لا بد أن يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا: الصحابة بشر، فيهم الصالح والطالح، العادل والمخطئ، وفي سيرهم صفحات مشرقة في خدمة الرسالة، وأخرى دامية في صراع السلطة.
كيف يمكن قبول مقولة "كلهم عدول"، كما يروّج التيار السلفي، والتاريخ ذاته يروي لنا عن معارك طاحنة بينهم، ملأها التحزّب والخداع وسفك الدماء؟ كيف نتغاضى عن معركة الجمل التي وقعت سنة 36 هـ، بين شخصيات كبرى كعائشة – التي قال عنها النبي: "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء" – والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، ضد الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب؟
بحسب تاريخ الطبري (ج3، ص 244 وما بعدها)، اندلع القتال في البصرة، وسقط ما يقارب عشرة آلاف قتيل من الطرفين. الزبير انسحب من القتال بعد أن ذُكّر بحديث نبوي، فقُتل وهو منسحب. وطلحة أصيب بسهم أودى بحياته، وهناك من قال إن السهم جاء من جيش معاوية، في محاولة لتوريط علي.
ورغم كل ذلك، يصرّ البعض على الاعتقاد بأن الجميع كانوا على صواب، مما يضعنا أمام معضلة عقلية: إذا كان هؤلاء الذين نقلوا إلينا الدين قد تقاتلوا، فمن منهم نأخذ؟ ومن نترك؟ وإذا جاز عليهم الخطأ – وهم كذلك – فلماذا نُصر على تأليههم واعتبار أفعالهم نماذج يُحتذى بها دينيًا؟
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يُطلب منا أن نُكرّر تجاربهم السياسية الدموية تحت شعار "اتباع السلف"؟ أليس من الأولى أن نُفرّق بين جوهر الدين كنصوص إلهية، وبين التاريخ كصراع بشري على النفوذ والسيطرة؟
إن النقد الحقيقي لا يعني الطعن، بل التحرر من التهويل، والنظر في الوقائع بميزان الإنصاف. فليس كل ما فعله الصحابة دينًا، ولا كل من خالفهم مبتدعًا أو ضالًا. العدل، كل العدل، أن نزن الرجال بأفعالهم لا بأسمائهم، وأن نعيد قراءة تراثنا بعقلانية تليق بجوهر هذا الدين، لا برداء التقديس الموروث.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - قراءة
علي ابراهيم
(
2025 / 8 / 16 - 13:30
)
قراءة محايدة وجميلة استاذ صفاء
.. زلزال مميت في كولومبيا يضرب مانيزاليس ويلحق أضرارا بالكاتدرا
.. الرئيس الإيراني يقول إن التواصل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئ
.. افتتاح استثنائي.. الكنيسة الملكية في قصر فرساي تفتح أبوابها
.. خارج الصندوق | حصار شامل.. أميركا تضرب الإخوان في كل مكان
.. بعد تكريم شيخ الأزهر له.. الطفل أنس يبدع في تلاوة القرآن بدو