الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فراس عوض يكتب: انت نرجسي.. انتي ناشز

فراس عوض
كاتب وباحث سياسي واجتماعي، ماجستير في دراسات الجندر، نقابي وناشط حقوقي

(Feras Awd)

2025 / 8 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


انت نرجسي... وانتي ناشز...

كيف حوّلنا التشخيص والحكم الشرعي إلى سلاح في الخلافات اليومية

بقلم: فراس عوض

اصبحنا نغيش في زمن غريب، تمام و نستيقظ على وابل من المصطلحات والعلاقات والفيديوهات التي تعج بها وسائل التواصل و غيرها، و التي صارت أشبه بالرصاص الطائش في أحاديثنا. كلمة "نرجسي" التي كانت تصف اضطرابًا نفسيًا دقيقا، تحولت إلى سلاح جاهز في يد كل من تريد إدانة رجل لم يوافق مزاجها او مزاجه، أو لم يمنحه ما يطلبه من اهتمام. لم يعد أحد يتوقف ليتأكد او يتسائل: هل هو فعلًا مصاب بالنرجسية ( أي اضطراب الشخصية النرجسية). كما يعرفها علم النفس ؟ أم أننا فقط نبحث عن كلمة قاسية نعلّقها على صدره لننتصر في جدال دائري تافه؟

وفي المقابل، كلمة "ناشز" التي جاءت في الفقه لتحديد حالة زوجة ترفض واجباتها الشرعية بلا مبرر، او تريد حقوق بدون واجبات، انقلبت إلى تهمة جاهزة تُرمى على كل امرأة تعترض أو تقول "لا".، أو تضع حدودًا لعلاقتها. صرنا نمزج بين المعنى الأصلي والمزاج الآني، فتتشوه المفاهيم و نفرغها من جوهرها..

والأدهى أن حياتنا أحيانًا لا تعرف فرقًا حقيقيًا بين الطرفين.. من يطلق الاتهام على الآخر، قد يكون هو نفسه صورة أخرى منه. في الحقيقة، كثيرًا ما يكون كلاهما نرجسيًّا أو ناشزًا، أو على الأقل يلتقيان في نفس الدائرة المغلقة من الاتهام ورد الاتهام. و غالبا يقابل الرجل النرجسي، ان كان كذلك امرأة حدية او امرأة هستيرية أيضا ، وهما اضطرابات شخصية خطيرة ، غالبا تتواجدان لدى النساء اكثر منه عند الرجال، فجميع تلك المصطلحات يقررها العلم، وليس مزاج لحظي، و المهم أنه ما لم يقرر أحدهما أن يجنح إلى السلم في ذلك الخلاف والتراشق، ولو قليلا، ويخرج من قوقعة الجدال الدائري، فسوف يتحول إلى مرآة تعكس ملامح من يهاجمه، حتى لو أقسم أنه مختلف عنه. قمت يقابل الأسلحة بابتسامة لا يقل سوء عن الآخر.

كم من مرة أقسم أحدنا أنه يكره صفة معينة في شريكه، ثم بمرور الوقت وتحت ضغط الردّ بالمثل، وجد نفسه يمارسها بحذافيرها؟ الغضب يستدعي الغضب، والمبالغة في الاتهام تستدعي المبالغة في الدفاع، حتى يصبح كل حوار حلبة صراع، وكل كلمة قذيفة، والبيت ساحة معركة تذوب فيها الحقيقة وسط ضجيج الأصوات.. من أجل الصراع لا التوافق،

المصطلحات، سواء جاءت من كتاب علم النفس أو من كتب الفقه، لم تُخلق لتكون أدوات انتقام..هي مفاهيم لها ثقلها وحرمتها ودقتها و وقتها، والعبث بها يفقدها قيمتها. أن نصف شخصًا بصفة، فهذا يعني أننا نختصره في كلمة واحدة، ونلغي كل ما وراءها من مشاعر وتجارب وتعقيدات. وهذا أخطر من الخلاف نفسه.

الذكاء الحقيقي ليس في إتقان رمي التهم، بل في معرفة اللحظة التي يجب أن نتوقف فيها.. أن ندرك أن الانتصار لا يكون بإخضاع الآخر تحت مسمى جارح، بل بإيجاد مساحة نتحدث فيها دون أقنعة ودون سكاكين لغوية.. لأن الكلمة، حين تتحول إلى أداة طعن، قد تُنهي علاقة كاملة، وتترك جرحًا لا يندمل حتى لو سكتنا بعد ذلك.

قبل أن نرفع لافتة "نرجسي" أو "ناشز"، فلنسأل أنفسنا: هل نحن نبحث عن الحق فعلًا؟ أم عن الغلبة والانتصار؟ وهل نحن مختلفون حقًا عن من نتهمهم، أم أننا نسخة أخرى منهم لكن بألوان مختلفة؟ الجواب على هذا السؤال قد يكون هو الخطوة الأولى لكسر الدائرة، والخروج من اللعبة قبل أن تبتلعنا تمامًا.. فلنعود للمعاملة بالأصل لا بالمثل ، في الخلاف، إلى أن يتبين عكس ما تقول او نصل لا سمح الله الى طريق مسدود، لا ينفع معه الحوار الهين اللين والتسامح، ولكل مشكلة حل اخلاقي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الاحتلال الإسرائيلي يشن سلسلة غارات على الضاحية بلا أي تحذير


.. هل يملك الرئيس ترمب أجوبة للشارع الأمريكي بشأن سياسة البلاد




.. من استهدف قبرص وتركيا وأذربيجان ومنشآت مدنية ونفطية في الخلي


.. ليلة طويلة عاشها أهالي طهران.. التفاصيل مع مراسل الجزيرة




.. الجيش الإسرائيلي: نفذنا 26 موجة من الهجمات في الضاحية الجنوب