الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


غزة: مقبرة الصحافة وصمت العالم

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2025 / 8 / 16
القضية الفلسطينية


منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تعد غزة مجرد عنوان عابر في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى مقبرة مفتوحة للصحافة العالمية، ومرآة صادقة تعكس هشاشة القيم التي يتغنى بها العالم. إنها ليست مجرد أرقام عابرة، بل جرس إنذار مدوٍ للعالم أجمع: الكاميرا أصبحت هدفًا عسكريًا، والميكروفون حكمًا بالإعدام، والحقيقة جريمة عقوبتها الموت.
لقد تجاوزت حصيلة القتلى من الصحفيين في غزة كل التوقعات المأساوية. فوفقًا للاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ)، قُتل ما لا يقل عن 226 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا منذ بداية الحرب، بينما تشير بعض المصادر إلى أن العدد يقترب من 270. هذه الأرقام المفزعة تتجاوز ما شهدته مجتمعة الحرب العالمية الأولى والثانية وحرب فيتنام وحرب البلقان وحرب أفغانستان من حيث استهداف الصحفيين.
إنها سابقة خطيرة في تاريخ الصحافة الحديث، وتؤكد أن ما يحدث في غزة ليس مجرد تداعيات حرب، بل استهداف ممنهج ومقصود لمن يحملون على عاتقهم مهمة نقل الحقيقة. الغالبية العظمى من هؤلاء الضحايا هم صحفيون فلسطينيون، يدفعون ثمنًا باهظًا لالتزامهم المهني في ظل ظروف لا إنسانية.
إن التناقض الصارخ في سلوك إسرائيل يفضح النوايا الحقيقية وراء هذا الاستهداف الممنهج. فبينما فتحت إسرائيل أبواب قراها في الجنوب على مصراعيها لوسائل الإعلام الدولية، ورتبت الجولات وأدارت المشهد بدقة متناهية، واستدعت كل صحافات العالم لتوثيق روايتها الخاصة بهجوم السابع من أكتوبر، فإنها في المقابل أغلقت غزة بإحكام غير مسبوق. لقد منعت دخول أي صحفي أجنبي، بل ومنعت حتى الصحفيين الإسرائيليين الأحرار من الاقتراب، وحوّلت القطاع إلى منطقة معزولة تمامًا عن عيون العالم. ومن تجرأ على نقل الحقيقة من الداخل، كان مصيره القصف المباشر أو الاستهداف الممنهج، في رسالة واضحة مفادها أن الحقيقة غير مرغوب فيها.
بهذا السلوك، لا تكتفي إسرائيل بقتل المدنيين الأبرياء فحسب، بل تقتل أيضًا إمكانية أن تُروى قصتهم للعالم. إنها حرب مزدوجة الأبعاد: حرب على الناس العزل، وحرب شرسة على الرواية والسردية. فإذا كان الإعلام يُفترض أن يكون شاهدًا مستقلاً ونزيهًا على الأحداث، فقد تحوّل في غزة إلى الطرف الأكثر استهدافًا وعرضة للخطر، لأن كشف الحقيقة أصبح أخطر من أي سلاح تقليدي. إن هذا الاستهداف المتعمد للصحفيين يهدف إلى فرض تعتيم إعلامي كامل، وحجب الفظائع عن الرأي العام العالمي، وتشكيل سردية أحادية الجانب.
المأساة هنا لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل هي طعنة غائرة في قلب الصحافة العالمية، وامتحان أخلاقي فشل فيه العالم بأسره فشلاً ذريعًا. فبينما تُكتب في غزة فصول الجريمة الأكبر ضد الصحفيين في التاريخ الحديث، تكتفي منظمات حقوق الإنسان ببيانات خجولة لا ترقى إلى حجم الكارثة، وتلوذ اتحادات الصحافة بالصمت المطبق أو تصدر إدانات باهتة لا تحمل أي تأثير حقيقي. هذا الصمت المريب، أو رد الفعل الباهت، يمنح الضوء الأخضر للمزيد من الانتهاكات، ويقوض بشكل خطير مبادئ حرية الصحافة وحماية المدنيين في مناطق النزاع.
غزة لم تعد فقط ساحة حرب، بل صارت مرآة تكشف هشاشة القيم التي يدّعي العالم أنه يحميها ويؤمن بها. إنها تكشف زيف الشعارات الرنانة حول حقوق الإنسان وحرية التعبير. وإذا كان القتل الجماعي للصحفيين، الذين هم عيون العالم وآذانه، لا يستفز الضمير الدولي، ولا يحرك ساكنًا في المؤسسات الدولية، فماذا تبقّى من معنى لحرية التعبير التي يتغنى بها هذا العالم؟ وما هي القيمة الحقيقية للمبادئ التي يزعم الغرب أنه يدافع عنها؟ إن صمت العالم هو تواطؤ، وتجاهل هذه الجرائم هو إعلان عن موت الضمير الإنساني.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية للجزيرة: استهدفنا مو


.. أمريكا تصعد ضد إيران.. هل تنجح الضربات أم المفاوضات؟




.. خبير عسكري واستراتيجي: طهران بدأت تفقد قدرتها على إدارة وكلا


.. واشنطن تشدد الحصار على إيران في مضيق هرمز وتواصل استهداف موا




.. سياق الحدث | هل تجاوز التصعيد الأمريكي الإيراني سقف مذكرة ال