الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الشعر الرومانسي والشعر الوجودي: أيّهما أكثر تعبيرًا عن واقعنا المرير؟

عزالدين محمد ابوبكر

2025 / 8 / 18
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


في ظل الانهيارات المتسارعة التي يشهدها عالمنا المعاصر من تفكك المعنى ، وهيمنة الآلة ، وقلة الإهتمام بـ الإنسان حتى وصلنا إلى اغتراب الإنسان داخل منظومات السلطة والرأسمال ، يبدو أننا بحاجة إلى سؤال الفن ، و سؤال الشعر بالتحديد ، لأن الشعر خصوصًا ذلك النوع منه ، الذي يهتم بـ الإنسان وقضاياه الوجودية هو تلك المرآة التي تعكس لنا مأزق الإنسان الأنطولوجي بكل صدق ؛ حيث إن الشعر الذي يعيد مناقشة ، وسؤال ، و رسم الحدود بين الذات والعالم لهو شعر صادق ، لأنه يحاول دائمًا أن يقترب من المعنى دون أن يعكره ، وفي هذا السياق ، تتصدر مدرستان شعريتان متميزتان في المشهد وهما:

• الشعر الرومانسي: الذي وُلد من رحم الثورة ، ومن الأحلام والخيال والعودة إلى الطبيعة.
• الشعر الوجودي: الذي نشأ من القلق وله ، تحديداً قلق الذات المعاصرة أمام قضايا العبث و اللاجدوى ، و الموت وتهديد الوجود الإنساني ، تلك القضايا الإنسانية الوجودية بامتياز.

ومن المعروف أن عصر التنوير قد انتقد "الإغتراب" الناتج عن تشوش الفكر ، وإغراء العواطف والمخيلة ، لكن الرومانسية قد رفضت وبكل عنف "اغتراب الوعي" ، والمقصود من هذا الإغتراب ، هو اغتراب الوعي الواضح بتكبيله بـ البراهين الموضوعية التي تحول بينه وبين المعطيات الأساسية للوجود¹ ، ومن هذا المنطلق يتضح لنا أن محاولة فهم الوجود لا مجرد العيش فيه ، هي هدف من أهداف الرومانسية ، والرومانسية لا ترفض البراهين لأن الرومانسية لا ترفض العقل ، ولأنها ليست ضد العقل ولأنها تسعى دائماً إلى ذلك العقل الراقي والرحب ، الذي يتسع لكل شيء و لـ لا شيء ، ذلك العقل الذي يتوافق مع ما هو عليه الكائن البشري من تعقيد.

ولقد تصور عصر النهضة بمفكريه العظماء ، أنه اكتشف القوانين أو الصيغ القادرة على الوصول إلى الكمال سريعاً بواسطة العقل ، وقد ساهمت الثورة الفرنسية في دعم العقل ، عن طريق إعطاء العقل فرصة للكتابة في شكل قوانين ودساتير ، لكن مع مرور الزمن اتضح أن على المفكرين تدمير هذه المحاولات التي أدت إلى تعظيم العقل لدرجة تحجره ، ويشهد على هذا الأمر ما دونه مبدعي ما بعد الرومانسية في أوروبا ، مثل شوبنهاور وكيركجور ونيتشه ؛ حيث عبر كل واحد منهم على طريقته عن نقده الصريح لتلك الحقيقة وتلك الثقافة ، وخير هذه الأمثلة نجدها عند فريدريك نيتشه ، لكن إن ما يميز الرومانسية هو ثورتها على المفاهيم والقيم الكلاسيكية ، والتركيز على التعبير عن مشاعر الشاعر ومحاولة إيصالها إلى المتلقي.²

وبكل اختصار يبدو لنا أن الرومانسية قد امتازت ، بـ تمجيدها للطبيعة بوصفها ملاذاً للفرد ، هذا بالإضافة إلى احتفائها بالخيال ومدى أهميته هو والذات والحدوس العرفانية ، مع التأكيد على نفورها من المؤسسات والسلطة ، وقد كان وردزورث ، وكولريدج ، وشيلي من أبرز
شعراء المدرسة الرومانسية مع أنني أركز على كونها فترة فكرية هامة ، في تاريخ الأفكار الأوروبية وليست مجرد نسق مدرسية.

أما الشعر الوجودي ، فهو ذلك النوع من الشعر الذي يتناول قضايا الفرد ، و يركز على القلق ، و العزلة ، و الموت كـ مواقف وجودية ذات أهمية للفرد ، ومن المعروف عن كيركجور (ابو الفلسفة الوجودية) معاداته للمؤسسات الهيكلية الثلاث في المجتمع الدنماركي في عصره: الفلسفة الهيجلية ، كنيسة الدولة ، والصحف المطبوعة ؛ ويرى كيركجور أن المرء إذا حاول أن يعيش حياته بالاعتماد على الفلسفة الهيجلية المجردة -حسبما يتهكم كيركجور- فسيكون الأمر أشبه بتسليم ثيابك المتسخة إلى مغسلة مكتوب عليها «انتهى الغسيل» واكتشاف أن اللافتة للبيع.³

وهكذا يتضح لنا أن في الفلسفة الوجودية جانباً نقديًا تهكميًا ، ومن هذا التهكم يمكننا أن نتقبل العبث ، وهنا استوقف لتذكر مدى تقارب النكتة المصرية التهكمية مع نقدية كيركجور الفكرية!

و الوجودية هي فلسفة تركز على الإنسان ، ولهذا نجد أن بحثها الفلسفي منصبًا على الذات الإنسانية ، وعن الهوية والمعنى وسط الضغوط الاجتماعية والاقتصادية الساعية لفرض السطحية والامتثال للتقاليد ، وهي أيضاً فلسفة تدور حول الحرية ، و تركز على المسؤولية الوجودية للفرد. ومن الأمثلة الأدبية عن الشعر الوجودي ، هو ما كتبه ألبير كامو في نثره الشعري ، بالإضافة إلى ما كتبه شعراء ما بعد الحرب العالمية ، لكن يجب الإشارة إلى أن نثر كافكا وواقعيته ونصوص جورج تراكل كلها أعمال ذا أهمية فلسفية كبيرة ، و ترتقي إلى مستوى الشعر الوجودي ، دون أن ننسى النصوص الشعرية أو النثرية في روايات الديستوبيا.

ومن المعلوم أيضاً أن الفن لا يمكن فصله عن النظام الإجتماعي ، فالفن الحقيقي قادر على كشف التناقضات البنيوية للمجتمع ، و الشعر الرومانسي رغم عمقه العاطفي ، إلا أنه غالباً ما يُنظر إليه بوصفه رجوعًا إلى الطبيعة كمهرب من التاريخ ، بينما الشعر الوجودي الذي يتغلغل في الجراح ، ويقوم بعرض الجروح بلا تمويه ، لأنه فن السلبية الناقدة ؛ حيث نقوم بالانتقاد إلى حد السلبية ، وهذا لأننا نتحمل المسؤولية ، ولا نحب اليوتوبيا الزائفة التي تُعمي العين والبصيرة ، وبالتالي ، فإن انتماء الفرد لعصر إنهيار القيم ، يتطلب منه استخدام فن لا يجمل الواقع ، بل يقوم بفضحه.

قد سبق وكتبت عن وردزورث ، وأظهرت أنه يرى في الطبيعة "حضوراً متساميًا" ؛ حيث نجده في أشعاره متحدثاً عن اللحظة ، وعن الروح ، وعن الطبيعة ، وعن الأشياء ، وكل هذا جميل لكن في ضوء واقعنا المعاصر ؛ حيث التهجير ، الحرب ، وتدهور الأوضاع البيئية في بعض مناطق العالم ، والذكاء الاصطناعي وإشكالياته يبدو لنا أن هذا الخطاب بعيد كل البعد عن مواجهة البشاعة المباشرة ، فالحلم الرومانسي لا ينجو من التصنع حين يواجه بعبث السياسية والآلة والخراب الشامل!

وفي المقابل ، نجد أمامنا بول سيلان يكتب لنا من داخل العدم ، ومن تحت ركام الذاكرة ؛ حيث لا أحد يشهد لنا من الرماد ، وهنا اللغة ذاتها تنهار (أعذرني يا رفيق لكنني أحب إستعمال الكلمات القوية ذات النظرة الواقعية!) ، لأن الشعر لا يقوم بالتعزية ، بل يقوم بالصراخ في صمت ، محاولاً مقاومة التشيؤ وطمس الهوية الإنسانية ، إنه شعر الضياع الأصيل ، أو شعر اللا شفاء والبحث عن المعنى ، تماماً مثلما كان مارتن هايدجر يرى أن الكينونة ليست استقرارًا بل إنكشافًا دائماً على العدم ، وقد قال أدونيس قولاً مشابهاً لقول هايدجر لأنه شاعر من شعراء الكينونة أصحاب الكلمات المنفتحة على العدم المنكشفة على الحقيقة!

لكن ، أيهما أصدق تعبيراً عن الإنسان المعاصر؟

الشعر الرومانسي؟ ؛ تكمن إيجابياته في أنه يقدم عزاءًا جماليًا أكثر منه واقعيًا ، ويحاول دائماً أن يعيد للإنسان صلته بالطبيعة ، وينشد المطلق في عالم يدعي انتماءه للمادية ، مثلما فعل النفري وانعزل عن أهله ونادى ربه ، وتكمن سلبيات الرومانسية في آنها تتجاهل مأساة الإنسان الحديث تحت الأنظمة الرأسمالية ، وهو بالطبع يميل إلى النكوص والحنين ، ويبتعد عن مساءلة الواقع ، على عكس الشعر الوجودي الذي يواجه العدم بصراحة ولا يكتفي فقط بالمحاولة ، وعاكسًا لتمزق الذات الحديثة ، وصراعها مع اللايقين ، لكن تكمن سلبياته عند غير الوجوديين أو المناهضين لهذه الفلسفة ، في أنه يبدو في نظرهم سوداوي جدًّا يكاد يخلو أحيانًا من الامل والحلول ، طالبًا لقارئ مُهيّأ فلسفيًا ، وليس مجرد مدعي ثقافة ولهذا السبب نجده غير منتشر من الناحية الجماهيرية.

ومن ما سبق وجدت أن الفلسفة الوجودية ، بحاجة إلى الرومانسية من أجل تقليل عيار السوداوية في خطابها الفلسفي ، ومن أجل تبسيط أفكارها لمن يريد فهمها ، لكن علينا الإنتباه عند التبسيط لأن في التبسيط ، قد تفقد الجملة مدلولها أو حتى قصدها مما يخل بالمعنى.

لكن ما الفرق بين الرومانسية الوجودية ، والوجودية الرومانسية؟

قد تبدو هذه المصطلحات كصور مترادفة أو حتى متداخلة ، لكن مع التحليل الفلسفي الدقيق ينكشف لنا وجود اختلاف أنطولوجي وابتسمولوجي عميق بين الاتجاهين ؛ حيث أن كلاهما يشترك في جعل الذات محوراً للتجربة والمعنى ، إلا أن زاوية النظر وطبيعة رؤية العلاقة بين الإنسان والعالم ، ومسار التوتر بين الوجود والعدم تختلف جذرياً في كلًّ منهما.

الرومانسية الوجودية هي توجه أدبي وفلسفي يرى في الإنسان كائناً مشدودًا إلى المطلق ، باحثاً عن المعنى لكنه محكوم بالزمن والموت ، إنها رومانسية مطعمة بقلق وجودي ؛ حيث يظل الشاعر يتوق إلى الكمال لكنه يواجه واقعًا مجزأ ، وعبثي ومادي ، يخلو من المعنى في بعض الأحيان.

لكن على العكس الرومانسية التقليدية التي ترى الطبيعة ملاذاً وشفاءًا للتنفس أو للذات ، وفي المقابل نجد الرومانسية الوجودية ترينا غربة الذات عن الطبيعة ؛ حيث قد صار الجمال مجرد ذكرى أو رمزاً مفقوداً ، ويكون الحب في هذا النسق ليس مجرد تحقيق للذات ، بل شكل من الوعي بالمحدود والناقص في الوجود كما نجد في نثر دوستويفسكي ، وتصبح الذات التي تحنّ إلى أصلٍ غامض ، وإلى جوهر ضائع ، في حركة شبيهة بما سماه هايدجر بالوجود نحو الموت لكن بصيغة شعرية وجدانية.

وهناك الوجودية الرومانسية ، التي تمثل الصيغة الفلسفية من الوجودية الكلاسيكية ، مع استبطانها بعض عناصر الرومانسية لكن دون أن تتماهى معها ، وهنا ، لا ترى الذات بوصفها ذاتًا ترانسندنتالية (متعالية) ، أو شاعرة ، بل ككائن مرمي في العدم ، يصنع المعنى من الفراغ ، دون ضمانات ميتافيزيقة أو خلاص جمالي.

وتذكر ما بأن الكون لا يُجيب ، ولا يُعطي إشارات ، ولا توجد روح كونية! ، ولا طبيعة عاقلة وهذا ما يسميه كامو بـ "اللامعقول" (l absurde) ، والإنسان حر ، لكنه محكوم بالمسؤولية الكاملة عن اختياراته ، كما نجد في فلسفة سارتر ؛ حيث لا شيء يبرر وجوده سوى أفعاله أو ما يصدر عنه ، في مواجهة عالمٍ خالٍ من الغايات ، ولا توجد عودة للطبيعة ، ولا حنين إلى الأصل ، بل هناك تجذر في اللحظة ، وانفتاح دائم على القلق واللايقين.

وتكمن المفارقة في العلاقة بين الرومانسية والوجودية ، تكمن في أن الرومانسية الوجودية تظل تعيش على اطلال المعنى ، أي أنها ، وإن اعترفت بانهيار المركز ، إلا أنها تظل تبحث عن اثرٍ له ، بينما الوجودية الرومانسية لا تبحث ، بل تسكن الفراغ وتبني فيه ؛ حيث إنها تجاوز للنوستالجيا ، وهي ولادة من الرماد.

وفي البداية (مع انها النهاية!) ، إن الرومانسية الوجودية هي لحظة "الضياع الجميل" ، بينما الوجودية الرومانسية هي لحظة "التمرد اليائس" ، وكلاهما يعكس الشرخ الوجودي في الإنسان الحديث ، لكن من زاويتين ؛ الأولى شاعرية حدسية ، والثانية فلسفية تحليلية ، وقد يكون الأصدق في التعبير عن الواقع المعاصر المتأزم ، هو ذلك المزيج النادر بين الحنين والعدمية ، وبين الحلم والمعنى ينهض الشعر والفكر كأداتين لا لصناعة الخلاص ، بل لتكثيف التجربة.

الهوامش:
1- صـ ٧٥ ، موسوعة كمبريدج في النقد الأدبي (المجلد الخامس): الرومانسية ؛ تحرير: مارشال براون ، ترجمة: إبراهيم فتحي ، لميس النقاش ، مراجعة وتقديم: إبراهيم فتحي ، المركز القومي للترجمة ، الطبعة الأولى - عام ٢٠١٦ ، القاهرة.
2- صـ ٧٦ منه.
3- صـ ٨٦ ، الوجودية: مقدمة قصيرة جدًّا ؛ تأليف: توماس آر فلين ، ترجمة: مروة عبد السلام ، مراجعة: محمد فتحي خضر ، مؤسسة هنداوي - عام ٢٠١٣.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس مجلس أمناء جامعة لوسيل علي بن فطيس المري: يعد عهد الأمي


.. أمريكا وإيران.. تصعيد ميداني في قلب مسار دبلوماسي




.. تصعيد ليلي جديد.. سلسلة انفجارات تهز المواقع الاستراتيجية في


.. خارج الصندوق | البند الخامس ينسف مذكرة التفاهم.. سر تصاعد أز




.. خارج الصندوق | ينتظر موافقة إيران.. تفاصيل المقترح العماني ل