الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رسالة بين دفّتي كتاب

نعمة المهدي

2025 / 8 / 19
الادب والفن


يولد الإنسان وفي داخله عطشٌ غامض، كأنه يبحث عن صدى لروحه في مكان ما، في وجهٍ مجهول أو كلمة منسية. يظن أنّه يختار طريقه بعقله، غير أنّ القدر يسخر منه أحيانًا، فيدفعه عبر ورقة بالية أو صدفة صغيرة إلى امتحانٍ تتعرّى فيه حقيقته. إنّ الكتب ليست مجرد كلمات مطبوعة، بل أوعية خفية للأقدار، وأحيانًا تُخبّئ بين دفّتيها حياة كاملة.

في مكتبة الجامعة، حيث الصمت يخيّم كستار ثقيل، جلست ليلى، الطالبة الهادئة التي تهرب من قاعات الضجيج إلى ركن قصيّ. وبينما تقلّب كتابًا قديمًا في الأدب، سقطت ورقة مصفرّة. انحنت تلتقطها، فإذا بها كلمات مرتعشة:

"إلى من تقع عيناها على هذه السطور… لا أعرف اسمك، لكنني أبحث عن روح تشبهني.
إن مررتِ هنا، فاتركي أثرًا ولو كان كلمة صغيرة."

ارتجفت يداها، وضحكت بخجل مكابر، لكنها لم تنزع الكلمات من ذهنها. "من هذا الغريب؟ هل يسخر؟ أم أنه جاد؟" همست في داخلها.
بعد أيام، عادت للكتاب نفسه، كتبت بخط مرتجف:

"وجدت كلماتك. غريب أن يتقاطع طريقنا في كتاب… لكن ربما لا شيء يحدث صدفة."

ومنذ تلك اللحظة، بدأت المراسلات الخفية. أوراق صغيرة تتناوب بين دفتي الكتاب: أحلام، شذرات فلسفية، اقتباسات شعرية. لم يتبادلا أسماءً أو أوصافًا، ومع ذلك أحسّت ليلى أنّها تكشف روحها لشخصٍ تعرفه أكثر من نفسها.

مع مرور الوقت، بدأ القلق ينهشها: "أأنا أتعلق بسراب؟ هل يمكن أن يحبّ المرء كلمات بلا وجه؟" كانت تحتقر ضعفها، ثم تعود لتنتظر الورقة التالية بلهفة طفل. بين العقل والروح، نشب صراعها الأول: هل ما تعيشه حقيقة أم وهم جميل؟

في صباح شتوي، مدّت يدها لتسحب الكتاب من مكانه، فارتطمت بيد أخرى. رفعت بصرها فرأت شابًا، ممسكًا بالورقة ذاتها. نظر إليها بدهشة، كأنّ الحروف التي تبادلاها لأشهر تحوّلت فجأة إلى جسد وملامح.

قال بصوت خافت:
– "أأنتِ صاحبة الكلمات؟"

أجابت، والدم يغمر وجهها:
– "وأنتَ الذي كنت أكتب له؟"

لكن اللحظة التي كادت أن تكون اكتمالًا انشقت فجأة حين ظهر خلفهما وجه مألوف: منير، زميلها وصديقها القديم. في يده ورقة أخرى بخط مختلف. عيناه تلتمعان بخيبة ومرارة. قال بصوت مبحوح:
– "إذن… لم تكن رسائلي تصل إليك؟ كنتِ تكتبين لشخص آخر؟"

تجمّد الهواء. شعرت ليلى وكأن الأرض سُحبت من تحتها.

اقترب منير خطوة، صوته يرتجف:
– "كنتُ أكتب لكِ منذ أشهر، أترك أوراقي في كتبٍ مختلفة، أظن أنكِ ستقرئينها… كنت أظن أنكِ تدركين أنّي أحبك، أنّي ظللت قربك كل هذه السنوات صامتًا… لكنك لم تري!"

ارتبكت، حدّقت به بذهول:
– "أأنت…؟ لكنني… وجدت رسائل أخرى…"

قاطعهما الشاب الغريب بنبرة حادة:
– "رسائل أخرى؟ إذن لم تكن لكِ وحدكِ؟"

اشتعلت المواجهة، كأن المكتبة الضاجة بالصمت تحوّلت إلى محكمة للأرواح.

ليلى في داخلها تصرخ: "أي عبث هذا؟ كنت أظن أنني وجدت أخيرًا من يسمعني، فإذا بي ممزقة بين صديقٍ وفيّ كتم حبه حتى اختنق، وغريبٍ أسرني بحروفه. هل أخطأت؟ هل خنت؟ أم أنّ القدر يسخر مني؟"

قال منير بعينين دامعتين:
– "كنتُ إلى جانبكِ كل يوم، لكنك فضّلتِ كلمات مجهولة على قلبٍ معروف!"

وقال الغريب بمرارة:
– "كنتُ صادقًا معكِ في كل حرف… أأكون مجرد طيف وسط أوهامك؟"

نظرت ليلى إلى الورقة بين يديها، كأنها ورقة حكمٍ أخير. قلبها يمزّقه سؤال: هل الحب كلمة أم حضور؟ هل يُقاس بالصدق الصامت أم بالجرأة على البوح؟

ابتسمت ابتسامة غامضة، أعادت الكتاب إلى مكانه ببطء، ثم همست لنفسها:
"ربما الجواب لا يوجد هنا… بل في زمن آخر."

سارت بخطوات ثابتة نحو باب المكتبة، والهواء البارد يصفع وجهها. لم تلتفت. بقي الشابان واقفين، والكتاب بينهما كقاضٍ أبكم يحمل أسرارهم.

وهكذا ظل السؤال معلّقًا:
من يا تُرى سيكتب السطر الأخير في هذه الحكاية؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الشحات مبروك ومصطفي أبو سريع يحتفلون بزفاف ابن الفنان محمد ر


.. محمد رمضان: فيلم أسد تجاري جدا وسيقود المنتجين لتقديم أعمال




.. أشرف زكي وأحمد زاهر ومحسن منصور يحتفلون بزفاف ابن الفنان محم


.. سرديات أونلاين | المقاومة والإعلام.. كيف كسرت الوقائع الرواي




.. أبطال وصناع فيلم «أسد» يُعبّرون عن سعادتهم بالعمل ويكشفون عن