الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحب عبر الجدار

نعمة المهدي

2025 / 8 / 20
الادب والفن


ما أشدّ ما يبتلي الله به قلوب عباده من سلطان الهوى! فهو الداء الذي لا دواء له، والريح التي إذا عصفت بالنفس أذلتها، وجعلتها أسيرةً لنداء خفيّ لا يُرى ولا يُلمس. وهل للحب قانونٌ يردعه، أو منطقٌ يحكمه؟ قد يجيء من نظرةٍ عابرة، أو لحنٍ مسافر، أو كلمةٍ لم يقصد قائلها غير العزف على وتر قلبه، فإذا هي قدرٌ محتوم، يسوق المرء إلى السعادة أو يجرّه إلى الشقاء. آهٍ للحب الطاهر! كم يرفع الروح إلى عليائها، ثم يرديها إذا اصطدم بجدار العرف والتقاليد.

في أزقة بغداد القديمة، حيث الجدران المتلاسقة تتراكم كصفحات من كتاب الزمن، وحيث ينادي الباعة في الأسواق فيختلط صوتهم بصوت المؤذّن، كان "حيدر" يعيش بين هموم الدراسة ووحشة الروح. غير أنّ نافذته الصغيرة كانت نافذة قلبه أيضًا، ومنها يتسلّل إليه في كل مساء عزف جارتهم "سارة" على العود.

كان العود يئنّ بأنغامٍ عذبة، تتأرجح بين حزنٍ عميق وفرحٍ مكتوم. وكان حيدر يصغي إليها بوجدٍ لا يوصف، حتى إذا سار إلى جامعته في الصباح، ردّدها كأنها صلوات قلبه.

ولكن ما أشدّ حيرته! أيُعَدّ هذا الإصغاء خيانة للحياء، واستراقًا لما لم يُقصد له؟ أهو اعتداء على سترٍ أرادته صاحبة اللحن؟ كان يجد نفسه بين لذّةٍ حلوة وقلقٍ مرير، بين صوتٍ يحييه وضميرٍ يلومه.

وذات ليلة، غاب العود. جلس حيدر ينتظر حتى مضى الليل، فلم يسمع سوى صمتٍ ثقيل. وفي الليلة التالية تكرّر الغياب، فشعر كأنّ روحه قد فقدت نبضها. عندئذٍ غلبه الشوق، فمضى إلى بيتهم بحجّة السؤال عن أخيها "محمود".

فُتح الباب، فإذا به أمام وجهٍ كالقمر في اكتماله، فيه حياء الزهر عند مطلع الفجر. تلعثم وقال بصوتٍ متقطّع:
– "كنتُ أسمع عزفك كل ليلة… لكنك غبتِ. فهل أصابك بأس؟"

أطرقت برأسها، ثم رفعت عينيها وفيهما دهشةٌ وابتسامة:
– "ظننتُ أنّ لا أحد يسمعني… وأنّ أنغامي لا تتجاوز جدار بيتنا."
قال وقد احمرّ وجهه:
– "بل تجاوزت الجدار إلى قلبي."

منذ تلك اللحظة، لم يعد العود مجرّد آلة، بل صار بريدًا سريًا بين قلبين. تبادلا الرسائل عبر الشقوق: أوراقًا صغيرة، كلماتٍ قليلة ولكنها أكبر من الشعر. وكان كل لحنٍ يحمل معنى، وكل نغمةٍ رسالة، حتى غدا الجدار بينهما أشبه بستارٍ شفاف، يُخفي الأجساد ويكشف الأرواح.

لكنّ المجتمع لا يرحم أحلام العاشقين. بلغ الخبر مسامع أهلها، فثاروا غيرةً وحذرًا، ومنعوها من العزف، وأغلقوا النافذة. وهكذا سقط الليل على قلب حيدر صامتًا، لا يُسمع فيه إلا صرير الريح.

هنا واجه امتحانه الأكبر: أيدقّ الباب معلنًا حبّه متحديًا الأعراف، فيكون سببًا في فضيحتها؟ أم يصمت ويمزّق قلبه بيده، ليحفظ لها سترها وكرامتها؟ اختار الصمت، فكان أشرف له في ضميره، وأقسى عليه في قلبه.

مضت أيام وليالٍ، وحيدر جالس عند نافذته، يحدّق في جدارٍ صامت، كأنّه قبر دفن فيه حلمه. حتى إذا جاء مساءٌ حزين، سمع فجأةً نغمةً قصيرة تتسلّل من بيتها. لم تكن لحنًا كاملًا، بل تنهيدة موسيقية أقرب إلى دمعةٍ على وترٍ يتيم.

فهم أنّها رسالتها الأخيرة: "أنا هنا… حتى وإن منعوني."

عاد إلى غرفته، جلس عند نافذته، وردّد اللحن بصوتٍ مرتعش حتى اختلط صوته بدموعه. ثم رفع رأسه إلى السماء وقال في تأمّلٍ موجوع:
"يا رب، إن كنتَ قد حرمتني من وصالها، فلا تحرمني من ذكرها. إنّ في الذكرى حياةً أصفى من العيش، وفي الوفاء عزاءً أسمى من النسيان."

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد حيدر يسمع سوى صمت الليل، غير أنّ قلبه ظلّ عامرًا بلحنها. لقد صار "الحب عبر الجدار" ذكرى عذرية أبدية، لا يزهرها الوصال، ولا يميتُها الفراق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لعبة -بالإيموجي- مع أبطال مسرحية متولي وشفيقة??


.. شفيقة الصغيرة.. لحظة دخول دالا حربي مع أبطال مسرحية متولي وش




.. .سأطوي الأرض لأجلكِ. قصيدة الشاعر عبداللطيف الحسيني و غناء و


.. لحظة دخول أبطال مسرحية متولي وشفيقة استوديو #معكم_منى_الشاذل




.. فى ذكرى رحيل محمد نجم.. نجله شريف: والدى الوحيد الذى اكتسب ن