الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أفول العقل المطلق
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
2025 / 8 / 21
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
291 - أركيولوجيا العدم
العدمية الثورية
39 - أفول المثالية
أنتهت مغامرة هيجل الفكرية والفلسفية، بسبب جائحة الكوليرا التي عمت كل أوروبا في بداية أربعينات القرن التاسع عشر، غير أن سمعة هيجل وأفكاره كانت قد أجتاحت بدورها كل أوروبا، وأنتشرت فلسفته كالنار في الهشيم أو في كومة من الحطب اليابس. وسبب إنتشار أفكار هذا الفيلسوف، رغم صعوبتها وغموضها وتناقضها، يرجع إلى أسباب متعددة لا مجال لذكرها تفصيليا هنا. ولكن أهم هذه الأسباب هو شمولية هذا المذهب وكونه نظاما أونسقا Systeme عقليا متكاملا له تداعيات في كل المجالات الفكرية ويمكن تطبيقه على التاريخ والدين وعلم الجمال ونظرية المعرفة، على الإنسان والطبيعة، على العقل والروح.. إلخ. بالإضافة إلى قوة هذا النظام ومتانة ركائزه ودعائمه المنطقية والجدلية. ومع فلسفة هيجل، يبدو أن مقولة أو فكرة العدمية قد أتخدت صورة جديدة، وتقمصت معان أكثر ثراء وأكثر شمولية. ومع إنتشار فلسفة هيجل ونظامه الجدلي، أنتشرت أيضا فكرة العدمية التي حملها متخفية في ثنايا نظامه المعقد، ووصلت معه إلى بلاد الثلج والصقيع والفودكا والقياصرة والبوليس السري. وصلت هذه الفكرة إلى روسيا الشاسعة، والتي بدأت فيها قوى الشباب المثقف من الطلبة والكتاب والشعراء، بدأوا في تفكيك النظام الهيجلي ذاته وتتنظيفه من العناصر المثالية والرجعية وتحويله إلى أداة ثورية لتغيير المجتمع الروسي سياسيا وإجتماعيا.
القرن التاسع عشر في روسيا، يعتبر من أغنى الفترات التاريخية في أوروبا، وفي العالم عموما، من الناحية الأدبية والفنية وإنتشار الأفكار الثورية، وذلك نكردة فعل للنظام السياسي القمعي القائم على الإقطاع والعبودية والسلطة المطلقة للقيصر وحاشيته ونظامه البوليسي. وكان المثقفون في هذه الفترة هم من يمثل ضمير الشعب الروسي الرازخ تحت العبودية والجهل وقمع الطبقة الحاكمة. وكانوا يحبون الحياة ويلتهمونها إلتهاما، تقودهم رغبة محمومة وإرادة جنونية في ممارسة الفعل الثوري وتغيير ظروف حياة المواطن المقهور. وبإختصار، تغيير النظام السياسي الذي بدأ يتصدع تحت ضرباتهم المتتالية من جميع الجهات، وبدأ يترنح في بداية القرن العشرين حتى أندلعت، في النهاية‘ الثورة الروسية الكبرى سنة 1917، والتي أستولى عليها لينين وزمرته من البولشفيك، وحول الثورة الشعبية ذات الروح الأناركية التحررية، إلى نسخة باهتة ومشوهة لأحلام عدة أجيال من المثقفين والثوار والذين عانوا من القهر والسجن والتعذيب وصقيع المنفى في صحراء سيبيريا طوال القرن التاسع عشر.
وكان هذا الزخم الثوري نتيجة ضرورية لتطور أوروبا السياسي والإجتماعي في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، الذي شهد إستيقاظ أوروبا من غفوتها الطويلة وإنتشار أفكار عصر التنوير التي ساهمت في تقويض السلطة الملكية وسلطة الكنيسة، ومهدت الطريق أمام الثورات السياسية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وقد بدأت هذه الأفكار المعتمدة أساسا على العقل كوسيلة للتفكير والتعامل مع العالم تأخذ طريقها في المجالات السياسية والإجتماعية، والثورة الفرنسية كانت خلاصة كل هذه الحركة التاريخية المضطربة، والتي أثرت في كل أوروبا، ونشرت الرعب في قصور الملوك والقياصرة والنبلاء ملاك الأراضي وملاك الطبقة العاملة، من عمال وعبيد وفلاحين. ووصل صدى هذه الثورة البرجوازية إلى روسيا القيصرية، والتي بدأ نظامها العريق والمطلق في التخوف من إنتشارهذه الأفكار "الهدامة" والمستوردة داخل المجتمع الروسي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أزمة سياسية تهز كييف: الأوكرانيون يطالبون بعودة وزير الدفاع
.. النظام الغذائي المتوسطي.. سر الصحة وطول العمر؟
.. التصعيد الإيراني الأمريكي يثير استياء الأردن واستمرار الاعتر
.. محلل سياسي كويتي: إيران تستهدف الخليج لفرض الانخراط بالحرب ا
.. قراءة عسكرية | الجيش اللبناني ينتشر في زوطر الغربية ضمن ترتي