الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ما بعد -مؤتمر نيويورك-: هل تتجه فلسطين نحو الدولة أم نحو العُزلة و-العنصرية-؟
ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية
(Yasser Qtaishat)
2025 / 8 / 21
القضية الفلسطينية
اختُتم مؤتمر حل الدولتين الذي عُقد في مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، برعاية فرنسية-سعودية، بمشاركة (123) دولة ومنظمات إقليمية ودولية، بإصدار بيان ختامي مقبول نسبياً ووثيقة "خارطة طريق دولية" تُمهّد للاعتراف الجماعي بالدولة الفلسطينية.
الحدث شكّل لحظة سياسية استثنائية تعكس تحوّلاً دولياً في التعامل مع القضية الفلسطينية، على الصعيد السياسي النظري مبدئياً، فلأول مرة منذ فشل مفاوضات أوسلو مطلع الألفية الجديدة، يظهر توافق دولي واسع على ضرورة التحرك خارج الإطار التقليدي للتفاوض الثنائي الذي أثبت عجزه، لصالح خطوة جماعية دولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، عبر تصويت محتمل في الجمعية العامة في سبتمبر القادم بقيادة فرنسا، التي أعلنت عزمها على الاعتراف رسميا، مع وجود توجّه أوروبي ضاغط نحو ذات الهدف، بينما تحاول واشنطن مواجهة هذا المسار تحت ذرائع "تشجيع حماس" أو تقويض جهود ما تدعي أنه "السلام" بالمفهوم الصهيوأمريكي!
لكن ما سبق يفتح الباب في الوقت ذاته على سيناريوهات معقدة بين الأمل السياسي والعقبات الواقعية، فالرؤية الدولية المتبلورة لم ولن تحسم الصراع أو تُوقف حرب الإبادة في غزة بدون ضغط دولي جامح وتلويح أوروبي بعقوبات حقيقية على كيان الاحتلال، ورغم أن الاعتراف بفلسطين بشكل جماعي ومنسق في أروقة الأمم المتحدة، سيكون له أثر دبلوماسي كبير، وسيُعيد الاعتراف بفلسطين إلى واجهة القانون الدولي، إلا أنه غير ملزم قانونياً.
كما يتوقع أن تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً مكثفة على حلفائها الأوروبيين والعرب، في محاولة لتأجيل التصويت أو إفشال القرار الجماعي، وقد تلجأ واشنطن إلى استخدام أدواتها التقليدية: المساعدات، النفوذ السياسي، وحتى التلويح بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن في حال طُرحت عضوية كاملة لفلسطين هناك.
وفي المقابل، تعمل حكومة الاحتلال الإسرائيلية على تسريع الاستيطان وتوسيع العدوان في الضفة وغزة، ومن المستبعد أن تستجيب إسرائيل للضغوط الدولية دون فرض إجراءات ملموسة، مثل التلويح بعقوبات اقتصادية أو تعليق التعاون العسكري والأمني.
لكن هل لدى أوروبا والغرب الإرادة السياسية لفرض تكلفة على الاحتلال؟
هذا هو التحدي الأخطر، لأول مرة منذ سنوات، تفكر أوروبا في التحرك، في الشأن الفلسطيني، خارج العباءة الأميركية، ولأول مرة، أيضاً، لم تنتظر أوروبا "موافقة إسرائيلية" ولا مشاورات عقيمة، بشأن المؤتمر وقراراته، بل أعلنت الدول المُشاركة والأمم المتحدة عن نيتها اتخاذ خطوات سيادية من جانب واحد، وهي خطوة غير مسبوقة في سياق العلاقات الأوروبية-الإسرائيلية. والمجتمع الدولي.
أما عربياً، فالموقف يتراوح بين المساندة السياسية الواضحة وبين التردد العملي في المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، بعض الدول العربية، خاصة المرتبطة بالملف الفلسطيني، تبدو ملتزمة بلعب دور سياسي مركزي في الدفع نحو الاعتراف الدولي، بغض النظر عن الضغوط الأميركية، وتحاول إعادة تموضعها كداعم ثابت وفعّال للحقوق الفلسطينية، فيما البعض الأخر منها، تُرحّب بهذا التوجه قومياً، لكنها معرضٌّة أو قد تتعرّض لضغوط أميركية بهدف "تحييدها" أو دفعها إلى التهدئة، خصوصاً في اللحظة التي تسبق اجتماعات سبتمبر.
فلسطينياً، تبدو السلطة الوطنية أمام فرصة تاريخية، لكنها محفوفة بالمخاطر، والمطلوب منها توحيد الخطاب السياسي، وإنهاء الانقسام الداخلي أو على الأقل تحييده أمام المجتمع الدولي، لأن أي انقسام فصائلي بين "غزة ورام الله"، سيُستخدم حجة ضد الاعتراف الكامل.
نجاح المؤتمر في ترجمة مخرجاته إلى خطوات عملية مرهون كذلك بقدرة القيادة الفلسطينية على استثمار الزخم الدولي، سياسياً ودبلوماسياً، مع تقديم رؤية واضحة للدولة القادمة، وموقف موحّد تجاه إدارة غزة ما بعد الحرب، وملف الإعمار، والشراكة الوطنية.
لن تنجح مخرجات البيان الختامي وخارطة الطريق الصادرة عن مؤتمر نيويورك، ما لم تُترجم إلى خطوات عملية، تشمل:
اعترافات رسمية ومنسقة بالدولة الفلسطينية.
دفع عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة.
إنشاء لجنة دولية لمتابعة التنفيذ تحت مظلة الأمم المتحدة.
ممارسة ضغط اقتصادي ودبلوماسي على الاحتلال لوقف التصعيد والاستيطان.
وبدون هذه الخطوات، سيبقى المؤتمر مجرد بيان قوي في سياق مسلسل طويل من الخيبات الدولية، وهو يمثل اختباراً لجدية الإرادة الدولية في تصحيح مسار عقود من الفشل، فإما أن يُترجم المؤتمر إلى تحول سياسي فعلي يعيد للفلسطينيين حقهم في دولة مستقلة، أو نكون أمام فرصة تاريخية أخرى ضاعت في زحمة التوازنات والمصالح.
إن فشل المؤتمر في تطبيق هذه الخطوة، سيعني فعلياً انهيار فكرة حل الدولتين، وفتح الباب أمام واقع الدولة الواحدة "اليهودية العنصرية"، وانفجار الصراع في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة، أما إذا نجح المؤتمر، فسنكون أمام بداية جديدة قد تعيد الأمل إلى الشعب الفلسطيني الذي لم يُمنح يوماً فرصة العدل ولا السلام.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بين النمو السكاني والاستدامة: الذكاء الاصطناعي في قلب معادلة
.. كيف نفهم التناقض بين دعوات ترمب للحوار وإرسال تعزيزات عسكرية
.. وفد أمريكي يزور غرينلاند والدنمارك تطالب بتواجد عسكري أوروبي
.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتل طفلا في بلدة المغير بقضاء رام
.. ترقب لبدء انسحاب قوات قسد من ريف حلب الشرقي.. التفاصيل مع مر