الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الصندوق الأخير
نعمة المهدي
2025 / 8 / 22الادب والفن
قد يطول العمر بين رجلٍ وامرأة، فيظنّ الناس أن سرّ التفاهم قد استُكمل، وأن المودة التي جمعت بينهما قد أذابت كل غشاوة، حتى لم يبقَ بينهما ما يُخفى أو يُكتم. غير أنّ الإنسان، أيّاً كان قربه أو وفاؤه، يظلُّ عالماً غامضاً، فيه زوايا مظلمة لا تُضاء، وأسرار لا يجرؤ اللسان على الإفصاح بها.
إنّ الصمت في الحبّ أشبه بالملح في الطعام: قد يحفظه من الفساد، لكنه إن زاد خنق الطعم حتى يذهب بروحه. وهكذا، يظلّ السؤال الأبدي: أيهما أصدق، أن تُبنى البيوت على صراحةٍ عاصفة تهزّ الأركان بين حينٍ وآخر، أم على صمتٍ يدفن الغضب في الأعماق حتى يتراكم كغبارٍ لا يُرى؟
لقد علّمنا العمر أن الوجوه المبتسمة كثيراً ما تخفي وراءها دموعاً لا تُرى، وأن البيوت الصامدة ليست دائماً دليلاً على السعادة، بل ربما تكون شاهداً على صبرٍ مريرٍ وحكمةٍ مُكلِفة. فما أتعس أن يعيش الإنسان دهراً وهو يظنّ نفسه محبوباً بغير قيد، ثم يكتشف متأخراً أن الحبيب ابتلع من أجله آلاف الصرخات ولم يُخرج منها إلا ابتسامة!
في بيتٍ قديم، عاش رجل وامرأة ستين عاماً متعانقين في رحلة العمر. لم يفرّق بينهما شيء، ولم يعرفا للخلاف أثراً يُذكر. كانا يقتسمان الكلام كما يقتسمان الخبز، ويتقاسمان الخدمة كما يتقاسمان الراحة. لم يكن بينهما سر… سوى صندوقٍ صغير احتفظت به الزوجة على رفٍّ عالٍ، وكرّرت على مسامع زوجها وصيتها:
– "لا تفتحه، ولا تسأل عمّا فيه."
فاحترمها الرجل، ولم يسأل. ومضت الأعوام، حتى جاء اليوم الذي هدّ المرض جسدها، وجلس هو إلى جوارها يعدّ أنفاسها المتعبة. وأثناء لمسه لذكرياتهما، وقع بصره على الصندوق. حمله وجلس بقربها، فابتسمت ابتسامةً شاحبة وقالت:
– "لقد حان الوقت… افتحه."
فتح الصندوق، فوجد دميتين صغيرتين من القماش، وإبرة كروشيه، ومبلغاً كبيراً من المال تجاوز خمسة وسبعين ألف دولار. تملّكته الحيرة، فسألها. أجابته بصوتٍ متقطّع:
– "يوم زواجنا، أوصتني جدتي: إذا غضبتُ منك، فلا أجادلك، بل أصنع دميةً صغيرة… هاتان الدميتان هما كل ما صنعتُه في ستين عاماً."
غمرته دموع الفرح، وقال وهو يكاد يختنق:
– "يا لروعتك! لم تغضبي مني سوى مرتين؟"
لكن عينيه عادت إلى المال، فسألها:
– "وماذا عن هذا المبلغ؟"
أغلقت عينيها، وقالت آخر كلماتها:
– "هو ثمن ما بعته من بقية الدمى…"
ثم أسلمت الروح، تاركة الصندوق مفتوحاً، والسرّ ماثلاً أمامه كمرآة لا ترحم. جلس العجوز مذهولاً، يحاول أن يفهم: هل كانت زوجته مثلاً أعلى في الحكمة والصبر، أم أسيرةً لصمتٍ طويلٍ حوّل آلامها إلى دمى تُباع في الأسواق؟
لم يجد جواباً. وكل ما بقي له هو سؤال يتردّد في أعماقه كصدى لا ينتهي:
هل يُبنى البيت على صبرٍ يُخفي الجروح، أم على صراحةٍ تُخرج الحقيقة ولو مزّقت القلوب؟
وهكذا أدرك، بعد فوات الأوان، أنّ الصندوق الأخير لم يكن صندوقاً من خشب، بل صندوق عمرٍ كامل، كُتب على غلافه: الصمت قد ينقذ البيوت… لكنه أحياناً يدفن القلوب حيّة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بيت مراد - فضلت اعيط ست ساعات.. ايه الدور اللي الفنانة يسرا
.. بيت مراد - الفنانة يسرا تحكي حكاية فيلم -الإنس و الجن-
.. بيت مراد - الفنانة يسرا و قصتها مع بيت شيكوريل
.. كيف يساعد المسرح الارتجالي الناس على تجاوز آثار الحرب؟
.. الشاعر عبداللطيف الحسيني.أمسية في مدينة اسطنبول عن محرقة سين