الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التاريخ الاسلامي كتب باقلام السلطة .

صفاء الصافي
باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي

2025 / 8 / 23
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


بقراءتك للتاريخ الإسلامي بعين الباحث العلمي ستجد نفسك أمام سجلٍّ حافل بعلامات الاستفهام والتناقضات، إذ سرعان ما يتضح أن هذا التاريخ دوّن بأقلام ارتبطت بالسلطة السياسية الحاكمة، وصيغ وفق مقاسات الخلفاء الأمويين والعباسيين. وهذا أمر يمكن عده طبيعيًا إلى حد ما، فالقوة والثروة كانتا بيد السلطة، ومن يملكهما يملك بالضرورة أدوات الكتابة والتوثيق ونشر الرواية الرسمية.
التاريخ الإسلامي لم يُكتب محايدا كما قد نتصور، بل كان في كثير من الأحيان وسيلة لتثبيت شرعية الحكّام. كل خليفة أو دولة أرادت أن تقدم نفسها كامتداد طبيعي للخلافة الراشدة أو لرسالة الإسلام، فعملت على صياغة التاريخ بما يخدم صورتها ويجعلها تبدو الأحق بالسلطة.
المؤرخون الذين عاشوا في كنف البلاط كانوا يبرزون إنجازات الحاكم، ويتغاضون عن أخطائه. بل أكثر من ذلك، كان التاريخ يستخدم للتخلص من الخصوم، فتصوير أي معارضة على أنها "فتنة" أو "خروج على الجماعة" جعل الخلافات السياسية تبدو وكأنها تمرد غير مشروع.

في العهد الأموي مثلاً، صُوِّرت الفتنة الكبرى بطريقة تبرر موقف معاوية وتضعف مكانة علي بن أبي طالب، بينما العباسيون قلبوا الصورة فشوّهوا الأمويين وأبرزوا أنفسهم كأهل البيت الشرعيين
.
لهذا فالتاريخ الذي وصلنا ليس كذبا محضاً، لكنه أيضا ليس الحقيقة كاملة. هو أقرب لعدسة ملوّنة تصوّر الأحداث بما يناسب أصحاب السلطة. ومن هنا تأتي ضرورة أن نقرأ التاريخ من أكثر من مصدر، ونقارن بين الروايات المختلفة حتى نقترب من الصورة الحقيقية.
إن إدراكنا لهذه الحقيقة لا يعني الطعن في حضارتنا أو إنكار أمجادها، بل يساعدنا على أن نعيد قراءة الماضي بوعي نقدي، ونفصل بين ما هو حدث تاريخي وما هو توظيف سياسي.
وقد قال ابن خلدون (ت 808 هـ) عن المؤرخين: " كثيراً ما وقع للمُؤرِّخين والمُفَسِّرين وأئمَّةِ النَّقْلِ من المَغَالِطِ في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادِهِمْ فيها على مُجَرَّد النَّقلِ غَثَّاً أوْ سمِيناً، ... لم يَعرِضُوهَا على أُصُولِهَا ولا قاسُوها بأشباهها، ولا سبَرُوها بمِعْيَارِ الحِكمَةِ، والوقوفِ عَلى طبائِعِ الكائنات، وتحكيمِ النَّظَرِ والبَصِيْرَةِ في الأخبار؛ فضلُّوا عن الحق، وتاهُوا في بَيْدَاءِ الوَهْمِ والغَلَطِ"، أي ان المؤرخين إذا اعتمدوا فيها على مجرد النقل ولم تُعرض على الأصول وقواعد العادة فربما وقع فيها الغلط والتحريف.
كما قال لمسعودي (ت 346هـ) "كثير من الناس لا يكتبون إلا ما يوافق أهواء الملوك، أو ما يجلب لهم الزلفى عندهم" ،وفي السياق ذاته قال الجاحظ: (ت 255هـ) "الملوك قد يستصلِحون الأخبار ويضعونها مواضعها ليبقى ذكرهم حسنًا على مرّ الزمان"، اما المؤرخ عبد الله العروي فيقول: "التاريخ الرسمي هو خطاب الدولة عن نفسها، أما التاريخ الحقيقي فينبغي أن يُقرأ من خلال تناقضات هذا الخطاب وصمته" ويضيف عن ذلك طه حسين فيقول: "كثير من التاريخ الإسلامي لا يُمكن الاطمئنان إليه، لأنه صِيغ ليخدم اتجاهات سياسية أو مذهبية."
فهذه الأقوال تُظهر أن المؤرخين الكبار أنفسهم كانوا واعين بأن التاريخ ليس حياديا دائما، بل يُصاغ حسب مصالح من يملك القلم أو من يمول الكاتب، أي السلطة أو المعارضة.
لذى نحن اليوم نعتز بتاريخنا، حيث يمثل إنجازات السابقون التي لم تشوبها أي شائبة بل نعتبرها هي الوسيلة الوحيدة التي من خلالها نكسب المجد متجاهلين النظر إلى الجانب الآخر من التاريخ .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. موجة جديدة من التعيينات في القيادة العسكرية العليا في إيران.


.. حبس قياديين من مافيا -دي زيد- في الجزائر، ما الدلالات، وما ا




.. كولومبيا تسابق الزمن لإنقاذ الناجين من أقوى زلزال تشهده منذ


.. محكمة الجنايات في دمشق تحمل بشار الأسد مسؤولية جرائم النظام




.. النشرة الصباحية | تفاصيل الحكم على بشار الأسد بالإعدام.. الم