الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
زهرة ذبلت قبل الربيع٤
نعمة المهدي
2025 / 8 / 23الادب والفن
إنّ في هذه الحياة أفراحًا تمرّ على القلوب مرَّ النسيم، لا تكاد تلمسها حتى تتبدّد، ولا تكاد تنبض حتى تحتضر. وهل كُتب على القلوب أن تعشق لتذوق مرارة الفقد؟ أم أن نصيب الفضيلة في الدنيا أن تُبتلى بحرمانها؟ ما أكثر ما يهيّئ القدر للإنسان وردةً يانعة، فإذا بيد العرف والتقاليد تجتثّها من جذورها قبل أن تكتمل أكمامها. أيّ معنى للابتسامة النقية إذا كان مصيرها أن تُغتال في فمها؟ وأيّ قيمة للدمعة إن لم تكن مهر الحكمة التي لا تُشترى؟ هكذا تبدأ الحكاية: لا بصيحة فرح، ولكن بأنين قلب يختبئ تحت عباءة الصمت، وبشمعة أملٍ ترتجف أمام ريحٍ لا تعرف الرحمة.
دخل "سامي" الدائرة الحكومية كما يدخل المرء مدينةً من الورق: أروقة مزدحمة بالملفّات، مكاتب غاصّة بالأختام والتواريخ، نوافذ متربة، وهواء مشبع برائحة الحبر والرطوبة. أصوات الموظفين والمراجعين كانت كجدولٍ عكر لا ينقطع، يحمل الشكوى والانتظار.
وبين تلك الوجوه المرهقة، كانت تشرق شمس صغيرة اسمها "هند". تجلس خلف مكتبها بهدوء يشبه خشوع المصلين، تُفصّل المعاملات المعقدة كما لو كانت تسرد حكايةً لطفل. صوتها وديع كخرير الجدول، وابتسامتها نصف قمر يضيء وجوه الناس الغاضبة.
وقف سامي، الغريب الجديد بينهم، صامتًا يراقب. لم يجد سبيلًا لبثّ ما في قلبه إلا في عادةٍ لطيفة: كوب شاي يضعه كل صباح على مكتبها، دون كلمة أو توقيع. يكتفي بأن يراها ترفع الكوب بابتسامةٍ خجولة، ويترك للبخار المتصاعد بينهما أن يروي ما عجز عنه لسانه. وهكذا انقضى عام كامل، والقلوب تتهامس بما لم يجرؤ اللسان أن يعلنه.
لكن الصمت لم يكن سهلًا، فقد كان قلبه يتنازعه صراعٌ مرير: أيفضح سره ويبوح؟ أم يلوذ بالكتمان خشية أن يطفئ الاعتراف ما أناره الحياء؟ لقد كان يعرف أنّ للكلام ثمنًا، وأنّ للعيون العذول سلطانًا، فآثر أن يُضحّي بلذّة البوح ليحفظ نقاء الصلة.
غير أنّ العناية الإلهية تسوق الأقدار بما لا يتوقعه البشر. ففي صباحٍ بدا عاديًا، وجد ورقة صغيرة مطويّة على مكتبه. فتحها بيدٍ مرتعشة فقرأ:
"الشاي أحلى حين أعرف أنك من صنعه… متى نكمل حديثنا خارج الدائرة؟"
توقّف الزمن لحظةً، وسكتت الأصوات من حوله. لقد انكشف الغطاء، ولم تعد مشاعره وحيدة كما ظن.
التقيا مساءً في مقهى قديم بشارع الرشيد. كان المقهى هادئًا تزينه مصابيح صفراء كنجومٍ متعبة، والليل يرش نافذته برذاذ المطر كدموع السماء. جلسا متقابلين، يتأمل كلٌّ منهما الآخر بصمتٍ أطول من الكلام.
قالت هند بصوتٍ مرتجف:
– "ظننتك صامتًا لأنك متعالٍ، ثم أدركت أنك كنت أعمق مما تصورت."
فأجابها سامي، ودمعته تخنق صوته:
– "خشيت أن أفسد كل شيء بالكلام… لقد كان الشاي لغتي الوحيدة."
ومنذ تلك اللحظة، ولدت بينهما قصة حبّ عفيفة، عاشت على الأمل، وتحلم أن تُتوَّج بميثاقٍ شرعي. غير أنّ الطريق لم يكن معبّدًا؛ فقد كانت هند ابنة أسرةٍ محافظة، ترى في الغريب تهديدًا لعاداتها، بينما سامي لم يملك من الدنيا سوى راتب متواضع وقلبٍ مخلص.
وذات مساء، اجتمعا في المقهى نفسه، لكن عيني هند كانتا غارقتين بالدموع. همست له بصوتٍ منكسر:
– "سامي… لقد قرر أبي أن يزوجني من ابن عمي. قاومت ما استطعت، لكنني ابنة بيتٍ لا يُسمح لها بالاعتراض."
ارتجف قلبه كمن سقطت عليه السماء. أراد أن يقاوم، أن يصرخ، أن يخطفها من قيودها، لكن الكلمات جمدت على شفتيه. لقد أدرك أن معركته خاسرة أمام جدار العادات.
نهضت هند، وتركت على الطاولة كوب الشاي لم تمسّه، ومضت بخطوات مثقلة نحو مصيرٍ لم تختره. بقي سامي وحيدًا، يحدّق في الكوب الفارغ وفي الورقة الصغيرة التي لا تزال مطويّة في جيبه.
وهكذا، انتهت القصة كما بدأت: بكوب شاي… غير أنّ الأول كان وعدًا صامتًا، والآخر كان إعلانًا للفقد. خرج سامي إلى ليل بغداد البارد، يسير وفي صدره جرح لا يندمل، وهو يردّد كمن يناجي قدره:
"كان حبّنا زهرة وُلدت في صمت، لكنها قُطفت قبل أن تتفتح."
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بيان دولي موسع يتبنى الرواية البريطانية بشأن واقعة فيرفورد
.. هيئة البحرين للثقافة والآثار تفتتح معرض العَوالي بالتعاون مع
.. تفاعلكم| نتنياهو يلاحق جنود فضحوا الجيش الإسرائيلي في فيلم N
.. يستكشف ملامح الهوية البصرية واللغة المعمارية في قطر
.. قطع المياه عن شقته وتعدى عليه .. الفنان عابد عنانى يحرر محض