الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أصل الداء و الشفاء(العقل القلب الضمير)من كتابي رسائل غير مشفرة
للاإيمان الشباني
2025 / 8 / 24قضايا ثقافية
الإنسان في جوهره كائن شديد التعقيد، لا تنكشف حقيقته في صورة ولا تُختصر ماهيته في ظاهرٍ يراه الناس. إن ما يبدو من أفعاله وسلوكياته إنما هو وجه سطحي لعالم أعمق، يظل محتجبا خلف جدران النفس، حيث يتشابك العقل والقلب والضمير في جدلية دقيقة، وهي أصول مشتركة تنبع من جوهر واحد، ثم تتفرع لتؤدي وظائف متمايزة. فالعقل يزن الأمور ويميز بين الحقائق، والقلب يشعر ويحب ويؤمن، كما أن القلب مصدر الفهم، أما الضمير فهو الجامع بينهما، المانح للإنسان معناه الأخلاقي وميزانه الداخلي.
وقد أكد القرآن على هذا المعنى حين جعل القلب موضعا للعقل والإدراك، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]. فالآية تقلب التصور السطحي الذي يحصر الإدراك في الدماغ، لتكشف أن العقل في حقيقته مرتبط بالقلب، وأن الإدراك الحق لا يكون إلا إذا اجتمع الفكر بالشعور، وهذا التداخل هو ما يمنح الإنسان طبيعته المزدوجة، فهو يفكر بعقله، لكنه لا يكتمل إلا حين يعي بقلبه.
العقل في القرآن مدعوّ إلى النظر والتأمل في الكون، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]. وأولو الألباب هم أصحاب العقول الواعية التي لم تنفصل عن الوجدان والإيمان، فصار إدراكهم أعمق وأصدق، إنه الجمع بين النظر العقلي والتحسس القلبي، فيصبح فهمهم للوجود شاملا لا يختزل الحياة في المادة وحدها.
أما الضمير، فقد أطلق عليه الوحي وصف النفس اللوامة، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]. إنها النفس التي تعاتب صاحبها إذا انحرف، وتذكره بحدود القيم إذا غفل، فهي الصوت الباطني الذي يحفظ للإنسان توازنه. وحين يغيب هذا الضمير، ينفصل العقل عن الرحمة ويتحول إلى آلة باردة، ويضيع القلب بين نزعات الهوى، فيفقد الإنسان إنسانيته ويصبح صورة خاوية من الداخل، وهذا ما عبر عنه القرآن مرة أخرى بقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، حيث يظل الجسد مبصرا بينما الروح في عمى.
الإنسان في حقيقته مشروع دائم من التناقضات، قد يبدو متماسكا فيما ينهشه الانكسار، أو يبدو ضعيفا فيما تختزن روحه قوة هائلة. هو خليط من النور والظلمة، من الرحمة والقسوة، من السمو والانحدار. ولأنه كذلك، فهو في حاجة مستمرة إلى استدعاء ضميره ليعيد للعقل والقلب وحدتهما، وإلا عاش صراعا داخليا لا ينتهي.
والمتأمل في النصوص القرآنية يجد أن سر اكتمال الإنسان يكمن في هذا الانسجام. فحين يتحرك العقل على هدى القلب، ويتحكم الضمير في نوازع النفس، يتحقق التوازن المنشود، ويصبح الإنسان أكثر انسجاما مع ذاته ومع الكون. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]، أي أن الفلاح مرهون بتزكية النفس، أي إحياء الضمير، والخسران مقرون بطمس هذا الصوت الداخلي.
من هنا، يتضح أن الإنسان لا يُدرك في صورة سطحية ولا في سلوك عابر، إنما يُفهم حين نلج أعماقه حيث يلتقي العقل والقلب والضمير، وبهذا يمكن أن يكون اكتمال إنسانيته مرهونا بأن يجعل من هذه العناصر الثلاثة وحدة واحدة، لا ينفصل فيها الفكر عن الشعور ولا يُقصى فيها الضمير، عندئذ يرقى إلى مرتبة أسمى من الوجود، فيغدو جديرا بحمل الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها.
هكذا هو كيان مركب لا يكتمل إلا بحياة ضمير، يضيء له دربه فيرتقي إلى مرتبة الإنسانية الحقّة، التي تجعل وجوده شهادة على أن العقل بلا قلب ضلال، والقلب بلا ضمير هوى، والضمير بلا عقل ضعف، أما إذا اجتمع الثلاثة صار الإنسان صورة من التوازن الذي أراده الله له.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. القيادة المركزية الأمريكية تعلن انتهاء جولة ثامن أيام الضربا
.. باحث في السياسات الأمنية للجزيرة: أمريكا تستعد لغزو بري فعلي
.. العلاقات الأفغانية الباكستانية عالقة في دائرة لا تنتهي.. فلم
.. عضو كونغرس سابق: استهداف قاعدة الأردن مبرر لتصعيد أمريكي يحر
.. نشرة إخبارية | بعد مقتل جنودها.. أميركا تفتح النار على الحرس