الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الطيبة اختيار و شجاعة في الزمن الصعب لا يراها الكثير

خالد محمود خدر

2025 / 8 / 25
قضايا ثقافية


الطيبة هي صفة إنسانية عميقة تعكس الصفاء الداخلي لحاملها وتجعله يميل إلى الثقة بالآخرين، وإلى التماس الأعذار لهم، وتتجلى هذه الصفة في الميل الفطري للإحسان إلى الناس والتعاطف والتعامل معهم بصدق وصفاء نية، بعيدا عن المكر والأنانية.

وهذه الصفة ليست ضعفا، بل هي قوة هادئة تدفع الإنسان بإصرار إلى أن يبقى وفيا لإنسانيته في وسط تتناقص فيه القيم الإنسانية ، و يحاول البعض أن يجرّه نحو القسوة. ولعل هذا يفسر معانات أصحاب القلوب النقية من مواقف الخذلان أكثر من غيرهم وان لم يأتي ذلك عن خطا او إساءة منهم ، بل قد يأتي ذلك من الإفراط في حسن ظنهم ومنحهم الثقة بلا شروط ، فى زمن يقدّس الأقنعة ويجعل الزيف مهارة بات يتقنها الكثير ممن يتظاهروا بأنهم يبادلون الأخرين النية الطيبة ذاتها ، وفي نفس الوقت يوصموا في اعمالهم من أحبّ بصدق بالضعف ، ويعدوا من صبر على الأذى عاجزا ، و يفسروا موقف من لزم الصمت اتقاء للجدل أو رغبة في الحفاظ على السلام ، على أنه انكسار. هكذا يُظلم الطيبون مرتين: مرة حين يُخذل، ومرة حين يُساء فهمه.

وإذا كان الطيّبين يتعرضون إلى الخذلان ، فإنهم بالمقابل لا يندمون على العطاء، لأن العطاء بالنسبة لهم ليس صفقة ولا استثمارا، بل هو انعكاس طبيعي لنقاء قلوبهم وإصالة قيمهم الشخصية.

ومما لا يلتفت إليه الكثير ان الانسان الطيب يملك القدرة على إعادة بناء نفسه بعد كل سقوط، وعلى الاستمرار في منح الحب حتى وهو مثقل بالجراح، وعلى التمسك بقيمه رغم كل ما يواجهه من إساءة أو استغلال او حتى اذلال ، ذلك ان المعدن الداخلي للإنسان الطيب لا يملكه إلا القليل ولا يلاحظه الا امثاله ، ولكنه يبان حين يبتسم وهو ينزف، وحين يعفو وهو قادر على الرد، وحين يعطي وهو في أمسّ الحاجة.

أن أصعب امتحان في هذا العالم يواجه الإنسان هو أن يبقى نقيا حين يصرّ العالم كله على أن يجعله قاسيا. ولكن هذا لا يعني ان يكرر الإنسان الطيب تجربته ثانية مع من قسى عليه ،لأن في ذلك خيانة لنفسه ، وخيانة النفس تأتي عندما يصرّ على البقاء في علاقة تُنهكه نفسيا، رغم وضوح كل الإشارات التي تدعوه إلى الرحيل ، كما تاتي حينما يشتاق إلى من تعمد كسره ، ويبحث عن الأمان في قلب لم يترك له سوى الجراح. كما تاتي خيانة النفس حين يمنح صاحبها ثقته مجدّدا لمن خذله، وكأنّ الألم لم يكن درسا كافيا ليُعلّمه الحذر. احيانا الاهتمام الزائد ، يشعر الآخر بأن المعني من يحتاج إليه ، لذا فإنه يعتبره في حياته مجرد أداة يركنها على الرف ويعود لها متى احتاجها. لذلك يتوجب بأن يعطي الإنسان كل شخص على قدر اهتمامه به.
يقول جبران خليل جبران:
لسنا مثالين لكن نيتنا صادقة مع الجميع وأننا نحمل في داخلنا روح طيبة ولا نملك وجهين وهذا يكفينا.

تبقى الطيبة خيارٌ صعب يحتاج إلى شجاعة ، ذلك أن تكون طيبا يعني أن تختار الشفافية في عالم يتزيّن بالكذب، وأن تبقى وفيا لنقاء قلبك رغم كل ما يحاول أن يلوثه. الطيب يعيش صراعه بصمت بين قلب يريد أن يستمر في العطاء، وعقل يذكّره بأن كثيرين لا يستحقون. ومع ذلك، يظل يختار القلب، لأنه يعرف أن فقدان الطيبة يعني خسارة ذاته قبل أن يكون خسارة للآخرين ، لذلك، فالطيّب لا يُقاس بما يناله من الناس، بل بما يحافظ عليه في نفسه. قوته ليست في الردّ على الإساءة، بل في ألّا يسمح لها أن تغيّر جوهره. عظمته ليست في أن يربح معارك الحياة المادية، بل في أن يربح معركته الداخلية ضد القسوة والتحجر.

سلاما على من يملكون براءة القلوب في زمن عزت فيه المشاعر.
سلاما للقلوب الطيبة أصحاب الاخلاق النبيلة والقيم العالية الذين لا يجيدون سوى التلذذ بالعطاء وقضاء حاجات الناس ومحبتهم.
سلاما لمن يملكون جمال الروح وصفاء النية ولا تعرف قلوبهم سوى الوفاء.

ب. د. خالد محمود خدر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خروج أمريكا بشرط سبتمبر.. محلل عراقي يوضح شروط الفصائل لتسلي


.. هل اقتراب انتخابات الكونغرس يضيق هامش الوقت أمام واشنطن للتو




.. الخبير بالشأن الإيراني مختار حداد: يجب على أمريكا تنفيذ الشر


.. يد تسعى للرزق وقلبٌ ينبضُ بغزة.. دعاء بائع أردني لفسطين




.. نائب الرئيس الأمريكي: إيران أبلغت واشنطن بأنها لن تفرض رسوما