الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكرسي الفارغ

نعمة المهدي

2025 / 8 / 27
الادب والفن


إلى روح رفيقة عمري الغالية ، التي غابت بجسدها وبقيت حاضرة في قلبي، أهدي هذه الكلمات عربون وفاءٍ لا يذبل، ودمعة حبّ لا تجف.

الحزن ظلّ طويل يلازم القلب، والوفاء مركب يشقّ بحر الفقد. تمضي الأفراح خفيفة كأحلام عابرة، وتبقى المآسي لتقيم فينا إقامة لا تعرف الرحيل. فهل الوفاء للذكرى عزاء يطهّر الروح، أم عجز عن مواجهة الحقيقة؟

في ركن الغرفة الخاصة بقي الكرسي على حاله: صامتًا، مهيبًا، يذكّرني بها كل لحظة. أجلس بجواره كل مساء، أتوهم أن ابتسامتها ما زالت تضيء الزاوية، وأن عبير ثوبها لم يغادر الهواء. فإذا مرّ نسيم الليل حسبته يحمل صوتها، يهمس بما كانت تقول في ليالينا الطويلة.

يسألني الأطفال أحيانًا ببراءة: "لمن هذا المكان الفارغ؟" فأبتسم ابتسامة الموجوع وأجيب: "هو لرفيقة العمر… ولها وحدها." ثم يسكتون كأنهم شعروا أن السؤال جرح لا يُمسّ.

وذات ليلة، وجدت بين أوراقها رسالة قديمة بخطّها. فتحتها فإذا بها تقول:
"إن غبت عنك، فلا تُثقِل قلبك بالانتظار. اجعل كرسيّي ذكرى طيبة أو مأوى لزائر محتاج. فالحب لا يخلّده الجسد، بل تبقيه الرحمة والعمل الصالح."

ارتجفت يدي وأنا أقرأها، وأحسست أن الزمن خانني مرتين: حين أخذها من بين يدي، وحين خبّأ هذه الكلمات عني حتى ذوى من عمري ما ذوى. جلست بين الكرسي والرسالة كمن يحاكم قلبه باسم الحقيقة.

وفي ليلة ماطرة، وضعت على الكرسي وردة ذابلة، وأشعلت شمعة صغيرة، وخاطبتها بصوت متهدّج:
— يا رفيقة العمر، إن لم تعودي بجسدك، فقد عدت بروحك. وإن لم يبقَ لي منك إلا الذكرى، فهي لم تخنني يومًا. وهذا الكرسي سيكون اليوم لكل قلب يتيم، ولكل غريب لم يجد مأوى.

ومنذ ذلك الحين لم أعد أسيرًا للانتظار كما كنت، بل صرت أقصّ على من يجلس معي حكايتها، وأعلّمهم أن الذكرى لا تكون سجنًا للقلب، بل جسرًا إلى عمل طيب وكلمة رحيمة. صار الكرسي الفارغ شاهدًا على حب لم يمت، ووفاء لم يتحوّل إلى وهم، بل عزاءً للقلوب التائهة.

وبقي السؤال قائمًا في الغرفة كما في قلبي: هل الوفاء للذكرى عزاء يطهّر الروح، أم عجز عن مواجهة الحقيقة؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -أفلام الحروب- تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينم


.. فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية




.. لقاء مع محيي الدين بهلول.. ذاكرة البحرين بين غرفة التجارة وا


.. -أفلام الحروب- تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينم




.. بعد غياب عدة سنوات...سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس أما