الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين سلمني ابي

نعمة المهدي

2025 / 8 / 27
الادب والفن


جلس كرار في صدر المجلس، متعب العينين، منكسر القلب. كان يستقبل المعزين بوجهٍ جامد لا يُفصح عمّا يعتمل بداخله. الأيدي تتعاقب، الكلمات تتكرر:
– "عظّم الله أجرك."
– "البقاء لله."
لكنه لم يعد يميّز بينها؛ صارت مجرد أصوات تتلاشى في هواء ثقيل.

وفجأة توقّف الزمن. رآها تدخل بخطوات بطيئة. زينب. لم يكن يتوقع أن يراها هنا. ارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، وغطّت رأسها بوشاحٍ قاتم، لكن عينيها ظلّ فيهما البريق نفسه الذي رآه في المستشفى. وقفت أولًا بين النساء، ثم اقتربت نحوه، كأنها تمشي فوق حقلٍ من الشوك. توقفت لحظة، وكأنها تبحث عن شجاعة إضافية، ثم قالت بصوتٍ خافت:
– "رحمه الله… كان رجلًا كريمًا."

لم يستطع أن يرد. رفع رأسه إليها، وشعر أنّ كلماتها لم تكن مجرد واجب، بل اعتراف صامت بأن ما جمعهما لم ينتهِ بموت والده.

وهنا، انفتح في ذاكرته باب واسع، ليعيده إلى تلك الأيام التي سبقت الفقد…

في غرفة الطوارئ، كان الليل يُطبق على كل شيء. أجهزة المراقبة تبث أنينًا ثابتًا، ورائحة المعقّمات تخنق الهواء. كرار يجلس قرب سرير والده، يراقب صدره يعلو ويهبط بصعوبة.

حين دخلت زينب أول مرة، شعر بارتباك غريب. لم تكن أجمل امرأة رآها في حياته، لكنه أحس في حضورها بشيء يبعث السكينة. مجرد نظرة منها، وهو في قلقه، بدت كيدٍ تُمسك قلبه المتعب. حاول أن يقنع نفسه: إنها مجرد ممرضة، تقوم بعملها. لكن في داخله، كان يعلم أن شيئًا ما قد بدأ يتحرك.

أما زينب، فحين رأت ذلك الشاب القابع بجوار والده، أحست بنداءٍ خفي. لم يكن أول ابنٍ يرافق أباه في المستشفى، لكنها شعرت أن عينيه مختلفتان: فيهما قلق يائس، وصدق لا يُشبه الآخرين. همست لنفسها: يا رب، اجعلني عونًا له ولو بكلمة. لكنها ظلت تخفي هذا الشعور تحت ستار واجبها المهني.

مرت الأيام. كل مساء، كانت ترى كرار في ذات المكان، عيونه محمرة من السهر، كفيه مشدودتين. كانت تحادثه بعبارات مقتضبة:
– "لا تقلق، الأدوية تعمل."
– "انتبه أن لا يتحرك كثيرًا."
لكنه كان يسمع في نبرة صوتها دفئًا لا يقوله الكلام.

وفي إحدى الليالي، غلبه النعاس. مرّت به زينب فرأته نائمًا، رأسه مائل، يده متشابكة مع يد والده المسن. توقفت. شعرت بشيء يخنقها في صدرها: كم هو وفيّ، وكم هو طفل ضائع في آن واحد. أرادت أن تضع الغطاء فوقه، لكنها تراجعت. لا يجوز… أنا ممرضة، وهذا حدّي. ثم مضت بخطواتٍ مثقلة.

كانت زينب، في وحدتها بعد المناوبة، تجلس في غرفتها الصغيرة وتخلع معطفها الأبيض. كل ليلة تعود منهكة، لكن صورة ذلك الشاب تظل تلاحقها. تحدث نفسها:
"لماذا أفكر به؟ أنا هنا لأعمل فقط… الممرضة لا ينبغي أن تتعلق بذوي المرضى… لكن عينيه… لم أرَ مثل هذا الصدق من قبل. هل هذا حرام؟ أم أنه مجرد إنسانية زائدة؟"
ثم تسكت، وتغطي وجهها بكفيها، كأنها تريد أن تخفي عن نفسها ما تعجز عن كتمانه.

في اليوم السابع، توقّف قلب الأب. ارتفع صوت الجهاز، هرع الأطباء والممرضون. زينب في المقدمة، تضغط على صدر الشيخ، تصرخ بزملائها:
– "جهاز الإنعاش! أسرعوا!"
العرق يتصبب من جبينها، وكرار واقف كالمسمّر. لم يعد يرى إلا وجهها وهي تقاتل الزمن، ووجه والده يذوي بين يديها.

توالت الدقائق بطيئة، ثم جاء الصوت القاطع:
– "توفى… رحمه الله."

سقط كرار على الأرض، وأحس أن كل شيء انتهى. رفع بصره فرأى زينب، عيناها تلمعان بالدمع لكنها تخفيه. لم تقل له شيئًا، لكنه قرأ في نظرتها مشاركة صامتة، كأنها تبكي في داخلهما معًا.

في تلك اللحظة، فهم كلاهما أن بينهما شيئًا يتجاوز الصدفة، لكنه لم يُولد بعد.

والآن، وهي واقفة أمامه في المجلس، فهم كرار سبب حضورها. لم يكن مجرد واجب أو مجاملة، بل امتداد لذلك الخيط الخفي الذي نشأ بينهما في المستشفى.

هي أيضًا، حين وقفت أمامه، أحسّت أنّها تكشف سرًا أخفته طوال تلك الأيام: أنّها كانت ترى فيه رجلًا مختلفًا، وأنها لم تستطع أن تظل حبيسة الصمت أكثر.

رفع كرار رأسه إليها، وفي عينيه سؤال لم ينطق به. هي ردّت بنظرة عميقة، كأنها تقول: كنت معك يوم وداع أبيك… وسأكون معك إذا شئت لبداية جديدة.

خرج بعدها إلى فناء الدار. السماء بدأت تستقبل خيوط الفجر، والهواء البارد يلسع وجهه. رفع عينيه إلى السماء وقال في سره:
"يا أبي… يدك التي حملتني صغيرًا تركتني اليوم بين يدي قدر آخر. كأنك سلّمتني إلى الحياة من جديد، على هيئة امرأة اسمها زينب."

وبين الموت والحياة، اكتشف أنّ الحب لا يولد في النور وحده، بل ينبت أحيانًا من رحم العتمة، كزهرةٍ وحيدة في أرضٍ محروقة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم -


.. مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن




.. -أرستقراطية الشاشة-.. ذكرى رحيل الفنانة ميمي شكيب


.. جمع بين التمثيل والغناء والإعلام.. ذكرى رحيل الفنان الشامل س




.. مهرجان كان السينمائي-بيدرو ألمودوفار يعود إلى الكروازيت مع ف