الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


راحة الإعتراف أمام الغرباء..

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2025 / 8 / 28
الادب والفن


كم مرة جلست في قطار يقطع المسافات بين مدينة وأخرى، فإذا بالشخص الجالس إلى جانبك يتحول فجأة إلى مستمع صبور؟ وكم مرة انتظرت في غرفة مكتظة في مستشفى أو مؤسسة حكومية، ووجدت نفسك تتبادل مع غريب حديثًا لا يشبه أي حديث آخر؟ هناك، في تلك اللحظات العابرة، نتخفف من ثقلنا ونسمح لكلماتنا أن تتدفق وكأنها تخرج من بئر مغلقة منذ زمن.
مع الغرباء نتحدث بلا كلفة. لا نحتاج إلى تزيين الكلام ولا إلى انتقاء الألفاظ بدقة، لأننا نعرف أنهم سيمضون بعد دقائق أو ساعات، ولن يعودوا أبدًا لمساءلتنا. المفارقة أننا معهم نكون أكثر صدقًا مما نحن عليه مع المقربين. لماذا؟ لأن الغرباء لا يعرفون قصتنا كاملة، ولا يحملون في ذاكرتهم سجلًا طويلًا من ماضينا، وبالتالي لن يضعوا كل جملة نقولها في ميزان الحساب القديم بيننا وبينهم.
للمقربين سلطة خفية: سلطة الحكم علينا. كل كلمة نبوح بها لهم قد تتحول يومًا إلى سلاح يُشهر ضدنا أو إلى ورقة ضغط تُستحضر عند أول خلاف. أما الغريب فليس لديه سوى لحظة عابرة يشاركنا فيها الحكاية، ثم يمضي. لهذا، نشعر معه بحرية لا نجدها في بيت العائلة أو بين الأصدقاء.
دوستويفسكي التقط هذه الحقيقة بعبقرية حين كتب في "الليالي البيضاء": "البوح للغرباء متعة وراحة وأمان". الغريب لا يسعى إلى إصلاحك ولا إلى وعظك، ولا يحاول أن يبرهن أنه أكثر حكمة منك. هو فقط حاضر ليستمع، وربما ليشاركك الضحكة أو الدمعة، ثم يختفي وكأنه لم يكن.
الطريف أننا مع الغرباء نملك رفاهية أن نختار الرواية التي نرويها. يمكن أن نبدو في نظرهم أبطالًا منتصرين، أو مظلومين أبديين، أو حتى مجرد مسافرين عاديين يقتلون الوقت. نحن من يقرر الشكل الذي نقدم انفسنا به، وهم يتقبلون ذلك بلا جدال. قد نخفي فصولًا كاملة من قصتنا، وقد نزيف الحقائق إن شئنا. من سيحاسبنا؟ من سيواجهنا بالقول: "لكنني أعرف الحقيقة بوجه آخر"؟ لا أحد.
وهنا تكمن المتعة: الغرباء يتيحون لنا أن نجرب أدوارًا مختلفة في حياتنا، بلا قيود. معهم لا نخشى الفضيحة ولا نخاف أن نخسر علاقة طويلة، لأن العلاقة معهم أصلاً مؤقتة وعابرة.
لكن، إذا تأملنا أعمق، نكتشف أن الأمر ليس مجرد بوح للترفيه. إنه أشبه بجلسة علاج نفسي مجانية. نترك على كتف الغريب حمولة زائدة، وننهض ونحن أخفّ وزنًا. الغرباء يصغون ببرود أحيانًا، أو باندهاش أحيانًا أخرى، لكنهم في كل الحالات يتيحون لنا أن نسمع صوتنا الداخلي بصوت عالٍ. وفي كثير من الأحيان، مجرد سماع كلماتنا وهي تخرج إلى العلن يفتح أمامنا أبواب فهم جديدة لأنفسنا.
قد يكون هذا السبب في أننا حين نغادر، لا نتذكر أسماء الغرباء الذين استمتعنا بالبوح لهم، ولا حتى ملامحهم. لكننا نتذكر دائمًا الشعور بالراحة بعد أن غادروا. كأنهم أخذوا معهم همومنا الصغيرة، وحملوها بعيدًا.
الإنسان كائن اجتماعي، نعم، لكنه أيضًا كائن حذر. مع الأقربين يضع الأقنعة خشية أن يجرحه الحكم أو أن يفقد مكانته بينهم. ومع الغرباء، لا حاجة لأي قناع. هناك، نكون عراة تمامًا، ومع ذلك نشعر بالأمان.
لهذا، فإن البوح للغرباء ليس ضعفًا كما يظنه البعض، بل هو شكل من أشكال الذكاء العاطفي. هو إدراك أن النفس تحتاج أحيانًا إلى فضاء مؤقت، آمن، للتنفيس عما لا يمكن أن يقال في البيت أو بين الأصدقاء. الغرباء هم مرآتنا العابرة، نرى فيها ما لا نجرؤ على مواجهته في المرايا الدائمة.
قد لا نتذكر وجوههم غدًا، لكننا سنبقى مدينين لهم بشيء لا يُشترى: لحظة صدق نادرة، عشناها معهم بلا خوف من العواقب. لحظة كنّا فيها أبطال قصتنا، بلا شهود ولا قضاة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه


.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_




.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن


.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل




.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا