الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حفلة التيوس
سهام يوسف علي
2025 / 8 / 30كتابات ساخرة
حين كتب ماريو بارغاس يوسا روايته حفلة التيس، لم يكن يروي فقط سيرة طاغية في الدومينيكان، بل كان يكشف جوهر الاستبداد: كيف يتحول الزعيم إلى وحش يلتهم خصومه، ويحوّل الدولة إلى مزرعة شخصية، والناس إلى عبيد يُطعمونه بدمائهم وصمتهم. المشهد الأكثر رعبًا في الرواية، حين أُجبر والد أحد المعارضين على أكل لحم ابنه، لم يكن مجرد فانتازيا روائية، بل استعارة مكثفة لقدرة الطغيان على تحويل الإنسان إلى ضحية نفسه، على نحو يجعل من الدم طعامًا لاستدامة السلطة.
لكن العراق اليوم لا يعيش "حفلة تيس" واحد؛ بل حفلة تيوس متشابكة، حيث لم يعد الاستبداد مركزياً كما عند تروخيو ، بل تفكك إلى شبكة متناحرة من القوى، كل منها ينهش قطعة من الجسد الوطني. البرلمان، الذي يُفترض أن يكون الحارس الأمين للدستور، صار مسرحًا لمزاد سياسي تُباع فيه المناصب ويُشترى الولاء. الوزارات صارت مغانم، السفارات بطاقات سفر لأبناء أقارب الكتل.
الفارق بين رواية يوسا وواقع العراق أن التيس هناك كان واحدًا، بينما في العراق أصبح قطيعًا متعدد الرؤوس. كل رأس ينهش بطريقته: هذا يلتهم الثروة، وذاك يلتهم القانون، وآخر يلتهم الأمل. وحين يجتمعون على المائدة، لا يتبقى للشعب سوى الفتات.
الأدهى أن هذه التيوس لا تلتهم ثروات البلاد فقط، بل تلتهم معنى الدولة نفسها. فالمواطنة تتآكل، والعقد الاجتماعي ينهار، والشعب يُدفع إلى اليأس، فيما الاحتجاج أو الاعتراض يُعامل كصوت ضعيف في مأدبة لا تُسمع فيها سوى همهمات القطيع السياسي.
إنها حفلة طويلة بلا موسيقى، صاخبة بلا فرح، تُدار على إيقاع المحاصصة، حيث لا يبحث المدعوون عن خلاص البلاد بل عن قطعة إضافية من جسدها. والأنكى أن الناس، كلما صرخوا أو احتجوا، قيل لهم: هذه هي الديمقراطية، وكأن الديمقراطية في جوهرها لم تعد سوى غطاء أنيق لحفلة آكلة لحوم الوطن.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا