الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الأردن في مواجهة المشروع الصهيوني وخيارات التحدّي الوجودي
ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية
(Yasser Qtaishat)
2025 / 8 / 30
السياسة والعلاقات الدولية
منذ السابع من أكتوبر، والمنطقة بأسرها تعيش على وقع تحولات عاصفة تقودها حكومة الاحتلال الإسرائيلي الأكثر تطرفاً في تاريخ الكيان، حكومة أعلنت بلا مواربة عن مشروعها الاستراتيجي: ضمّ الضفة الغربية، إنهاء حلم الدولة الفلسطينية، وفتح الباب أمام تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة معاً!
هذه الرؤية ليست مجرد أوهام أيديولوجية، بل هي سياسات تتجسد يومياً على الأرض عبر تسارع الاستيطان وتفريغ الأراضي من سكانها، والتلويح بخطط "إسرائيل الكبرى" التي تمتد لتطال أجزاءً من الأردن ومصر وسوريا ولبنان.
بالنسبة للأردن، فإن هذا المشهد لا يمثل مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل تهديداً وجودياً مباشراً يضرب عمق المعادلة الوطنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، فنجاح أي مخطط لتهجير الفلسطينيين –ولو جزئياً– نحو الشرق، يعني عملياً محاولة فرض "الوطن البديل" وتفجير التركيبة السكانية والسياسية الأردنية من الداخل، أما ضم الضفة الغربية بالكامل، فيعني دفن خيار الدولتين نهائياً، وخلق حدود جديدة ملتهبة بين الأردن و"إسرائيل الاستيطانية" دون أي غطاء سياسي أو قانوني.
إلى جانب الخطر "الإسرائيلي الصهيوني"، يواجه الأردن أيضاً معادلة إقليمية وداخلية معقّدة (قيود): من الشمال: سوريا المفككة وغياب أفق سياسي واضح، ومن الشرق: عراق غارق في النفوذ الأجنبي والأزمات، ومن الغرب: فلسطين المحتلة التي تتعرض للتصفية، وكيان استيطاني يتمددّ بلا قيود، والسلطة الفلسطينية مُستنزفة وخارج "التغطية"، ولبنان مأزوم، ومن الداخل: هشاشة اقتصادية/مالية وبطالة وفقر، مع انكماش الحيّز السياسي وتفكيك البُنى الوسيطة (قوى المعارضة)؛ ما يطرح شرعيّة السؤال "القدرة" على التعبئة الوطنية ومواجهة كافة احتمالات الخطر القادم من غرب النهر.
لنتخيل المشهد التالي، في حال نفّذ كيان الاحتلال مخططاته بضمّ الضفة الغربية وتهجير شعب غزة: سيجد الأردن نفسه أمام تقاطعات نيران متعددّة:
• تهديد خارجي وجودي، وضغط أمريكي وأوروبي لإدارة الأزمة دون تجاوز "الخطوط المرسومة".
• انهيار معادلة "الأمن غرب النهر".
• موجات نزوح/ تهجير قسري.
• ابتزاز موارد الأردن الحيوية: اتفاقيات الماء والطاقة والغاز والمعابر الحدودية.
• تآكل شرعية اتفاقيات السلام على الصعيد الإقليمي (الأردن ومصر).
• انقسام عربي وإقليمي حول ثنائية متضادة: مزيد من التطبيع والتهدئة (دول غير الجوار) مقابل التصعيد القانوني والسياسي والمادي (دول الجوار).
لكن رغم هذا، يمتلك الأردن أدوات ردّ وتحرك، وإن كانت محدودة ومرهونة بدقة الحسابات:
الورقة الدبلوماسية والقانونية: الأردن كان وما يزال الصوت الأكثر وضوحاً في رفض التهجير القسري واعتباره "خطاً أحمر"، يفترض توسيع هذا الموقف عبر تحالفات عربية وأوروبية، وتحويله إلى التزام قانوني دولي، بما يرفع كلفة أي قرار إسرائيلي بالمضي في الضم أو الترحيل.
الوصاية الهاشمية على القدس: هذه ليست مجرد رمزية دينية، بل رافعة سياسية تمنح الأردن موقعاً استراتيجياً في أي نقاش حول مستقبل فلسطين والقدس، والمساس بالوصاية يعني إشعال مواجهة دبلوماسية وأمنية لا تحتملها تل أبيب في هذا التوقيت.
أداة الضغط الاستراتيجي : معاهدة وادي عربة وترتيبات "المياه والطاقة" ليست خطوطاً جامدة، بل أوراق تفاوض يمكن تجميدها أو إعادة النظر فيها كوسيلة ضغط إذا بلغ الخطر درجة التهديد الوجودي المباشر.
انعطافه داخلية: القوة الحقيقية لا تأتي فقط من التحالفات الخارجية، بل من الداخل المتماسك، وما يحتاجه الأردن اليوم ليس مزيداً من تفكيك القوى الوسيطة، بل بناء جبهة داخلية صلبة قادرة على مواجهة التهديد الوجودي بثقة وتماسك، وإطلاق حوار وطني جامع، وإعادة الشرعية الشعبية والعشائرية لخيارات الدولة العليا.
التنسيق العربي-الإقليمي: لا يمكن للأردن أن يخوض هذه المعركة منفرداً، ويقوم بإعادة بناء محور تنسيقي مع مصر والسعودية وتركيا، وربطه بشبكات أوروبية وأممية، بما يخدمه لحماية حدوده وصدّ مشروع التهجير.
التنسيق العملياتي مع بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي: لتقديم لإسناد اللوجستي والأمني عند الحاجة، فأوروبا تعارض مشروع الضمّ والانتهاكات الإسرائيلية في عموم فلسطين، ويمكن توظف القناة الأوروبية لفرض عقوباتٍ فردية أو مؤسسية ضد قطاعات معينة لرفع كلفة الضمّ على حكومة نتنياهو وشركائه.
حدود الفعل الأردني والمصالح الأمريكية: الولايات المتحدة، شريك كيان الاحتلال، ستمارس المزيد من الضغوط لحماية مصالح "إسرائيل"، ما يفرض على الأردن تدويل ملف الضمّ وربطه بالمصالح الأمريكية بصورة دقيقة لا تقبل المساومة، بحيث يتم التركيز على قضايا حسّاسة مثل (الاستقرار الحدودي، أمن إسرائيل، صورة واشنطن ومصالحها في المنطقة).
يقفُ الأردن على حافة مرحلة غير مسبوقة في تاريخه الحديث، فالتحديات وجودية وليست سياسية فقط (تهجير، ضم، وصراع على الهوية والمستقبل)، قدرة المملكة على الصمود مرهونة بقدرتها على التحرك الذكي (تصعيد دبلوماسي مدروس، تحالفات إقليمية ودولية متينة، إعادة تفعيل الداخل كمصدر قوة لا ضعف، واستخدام كل أوراق الضغط المتاحة) تحت شعار "نُبل الغاية يُغني عن شرعية الوسيلة".
فالمشروع الصهيوني -اللامحدود- اليوم يختبر صلابة الأردن أكثر من أي وقتٍ مضى، والإجابة ليست في الانكفاء ولا في الارتهان، بل في بناء معادلة ردع "سياسي-قانوني-شعبي" تُعيد تعريف الأردن كحائط صدّ رئيسي أمام إعادة رسم خرائط المنطقة على حساب وجوده ومستقبله.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. موجز الأخبار| الرئاسة السورية: التوصل إلى تفاهم مع قسد حول ق
.. العربية تدخل سجن الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه
.. خارج الصندوق | مسؤولة كردية تطلب دعم إسرائيل ضد الحكومة السو
.. تباهى خلاله بإنهائه 8 حروب.. الرئيس دونالد ترمب يطوي عامه ال
.. عام لترمب في الرئاسة.. قراراتٌ وتحالفاتٌ وصفَقاتٌ قلبت موازي