الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
جامع باشا في أربيل: ذاكرة دينية ومعمارية نابضة
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
2025 / 9 / 1دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
تُعَدُّ مدينة أربيل من أغنى مدن العراق بالموروث الديني والمعماري، فهي مدينة القلاع والجوامع والتكايا، حيث تتجاور المآذن مع الأسواق، وتبقى المساجد شاهداً على عمق الجذور الروحية والاجتماعية لأهلها. ومن بين هذه المعالم يبرز جامع باشا، الذي بُني في أواخر القرن التاسع عشر ليكون علامةً بارزة في محلة العرب، إحدى أحياء المدينة القديمة.
أُنشئ جامع باشا سنة 1308هـ/ 1891م على يد السيد محمود أغا آل سيد أحمد، أحد وجهاء أربيل وأعيانها، الذين عُرفوا بمبادراتهم العمرانية والخيرية. وقد عكس تأسيس الجامع آنذاك مظهراً من مظاهر النهضة الدينية والاجتماعية التي عرفتها أربيل في تلك الحقبة، حيث كانت المساجد ليست مكاناً للصلاة فحسب، بل مركزاً للتعليم وحل النزاعات، وملتقىً للأهالي.
يقع المسجد في قلب محلة العرب، إحدى أقدم محلات أربيل وأكثرها حيوية. وقد ساهم موقعه في جعله محوراً للحياة اليومية، إذ كان المصلون يأتون إليه من أحياء متعددة، ليتحول مع الزمن إلى معلم روحي بارز في ذاكرة المدينة.
على الرغم من عمليات الترميم والتجديد التي طمست الكثير من ملامحه التراثية، فإن جامع باشا لا يزال يحتفظ بجزء مهم من روحه المعمارية القديمة.
المساحة: تبلغ مساحة الجامع نحو 1000 م²، مما يجعله من الجوامع المتوسطة الحجم التي تخدم أعداداً كبيرة من المصلين.
القباب والأقواس: سقف الجامع مكوّن من ست قباب متجاورة، تستند على أربعة أقواس ضخمة، يرتكز كل منها على أساسات بعرض متر واحد. هذا النمط المعماري يعكس أسلوب العمارة الإسلامية المحلية، حيث تمزج القباب بين جمالية الخطوط وقوة التحمل.
المواد والطرز: بني الجامع في الأساس بالحجر والطين، وزُيّن بالآجر والجص، بما يتناسب مع تقاليد البناء في أربيل خلال القرن التاسع عشر. وقد شكلت القباب العنصر البارز، ليس فقط وظيفياً في التهوية والإنارة، بل جمالياً باعتبارها رمزاً للسمو الروحي.
مرّ المسجد بعدة مراحل من الصيانة، إلا أن آخر وأبرزها كان في سنة 2008م. هذه الترميمات، وإن ساهمت في الحفاظ على بقاء الجامع كمكان نشط للعبادة، إلا أنها أزالت بعض ملامحه التراثية الأصلية، ليبقى سقفه المقبب شاهداً على طراز العمارة القديم. وهذه المفارقة تطرح تساؤلاً عن التوازن بين الحفاظ على أصالة المبنى واستجابته لمتطلبات العصر.
لم يكن جامع باشا مجرد بناء حجري، بل كان عبر أكثر من قرن مركزاً للروح الجماعية. فقد شهد حلقات الذكر والدروس الدينية، وجلسات الصلح بين الأهالي، واحتضان المناسبات الدينية الكبرى كرمضان والأعياد. واليوم، لا يزال الجامع يؤدي وظيفته الدينية، بإشراف السيد كاروان شامل أغا، سليل الأسرة المؤسسة، مما يضفي عليه صبغة من الاستمرارية العائلية والرمزية التاريخية.
إن دراسة جامع باشا لا تعني فقط توثيق مسجد قديم في أربيل، بل تعني قراءة في ذاكرة مدينة. فهو نموذج للمساجد التي جمعت بين العمارة الإسلامية التقليدية والبصمة المحلية، حيث الأقواس المتينة والقباب الدافئة تحكي قصص البنائين والحرفيين، فيما يروي جداراه تاريخاً ممتداً من العبادة والعمران.
ويُعدّ المسجد اليوم جزءاً من الهوية الحضرية للمدينة القديمة، ورمزاً لحقبة من التوسع العمراني الذي شهدته أربيل أواخر القرن التاسع عشر.
يبقى جامع باشا معلماً دينياً ومعمارياً، يحمل في طياته قيمة مزدوجة: قيمة دينية بوصفه بيتاً من بيوت الله، وقيمة تراثية باعتباره أثراً تاريخياً يعكس روح مدينة أربيل. وما أحوجنا اليوم إلى إعادة الاهتمام بمثل هذه الصروح، ليس فقط لترميمها وصيانتها، بل لإبرازها كجزء من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية التي تصنع من أربيل مدينة لا تنسى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مبادرة -نفس- تتظاهر ضد التضييق على الحريات في تونس
.. القوات الحكومية اليمنية تستعيد مديرية حيس.. ما الدلالات؟
.. الحرس الثوري: استهدفنا ناقلات نفط وسفن أمريكية ردا على استهد
.. بوتين يلتقي مبعوثي ترامب في موسكو ويأمر بوقف قصف كييف 3 أيام
.. ما وراء الخبر - دبلوماسي أوكراني سابق يكشف أسباب -فشل وساطة