الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
كيف تُنتج الدولة رجال دينها؟
محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي
(Mohammed Sajit Katia)
2025 / 9 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
أ. من الفقيه الحر إلى الشيخ الموظف
في أصل الفكرة، رجل الدين ليس موظفًا لدى أحد؛ بل هو شاهد على الحقيقة، ومجتهد في النصوص، وناقد للسلطة إن انحرفت. لكنه حين يدخل في منظومة الدولة، يتحول من صاحب رسالة إلى أداة وظيفية. يصبح دوره ليس البحث عن الحق، بل تبرير الواقع. لا يعلو صوت الفقيه إلا إذا بارك الحاكم، ولا ينجو إلا الشيخ الذي يطيع.
هذا التحول البنيوي يجعل المؤسسة الدينية جزءًا من جهاز الدولة: ليست مستقلة، بل خاضعة، بل ومُنتَجة بشكل مباشر.
ب. آليات إنتاج "الشيخ الرسمي"
الدولة لا تترك رجال الدين ليكونوا أحرارًا، بل تصنعهم وفق حاجاتها. وهذا يتم عبر ثلاث آليات رئيسية:
1. الانتقاء والتعيين: الدولة تتحكم في المناصب الدينية العليا (المفتي، شيخ الأزهر، المرجعيات الرسمية، مجالس الإفتاء). ومن خلال آلية التعيين، تضمن أن من يصل إلى المنبر هو من ينسجم مع خطابها السياسي.
2. التأهيل الأكاديمي والإداري: الجامعات الدينية الرسمية (الأزهر، الحوزات الممولة من الدولة، كليات الشريعة الحكومية) لا تخرّج علماء مستقلين، بل موظفين مدرَّبين على الانضباط البيروقراطي. فيصبح تكوينهم الديني مشروطًا بلغة "الخدمة العامة" لا بحرية البحث.
3. العقاب والثواب: من يطيع: يُكافأ بالمنصب والراتب والظهور الإعلامي. من يعارض: يُقصى أو يُشهر به أو يُحاصر ماليًا.
الاستقلال الديني يُعامل كتهمة، والاجتهاد الحر يُترجم إلى "خيانة"، والخروج عن الخط الرسمي يُسوَّق كفتنة أو زندقة.
ج. أمثلة تاريخية ومعاصرة
في العصر العباسي: ظهر "قاضي القضاة" كوظيفة رسمية، بحيث يُنتخب القاضي الأعلى بقرار من الخليفة، ليصبح الدين جزءًا من جهاز الدولة القضائي.
في العثمانيين: مؤسسة "شيخ الإسلام" لم تكن مستقلة، بل ذراعًا رسمية تصدر الفتاوى وفق مصالح الباب العالي.
في إيران المعاصرة: تمت تصفية أو تهميش مرجعيات كبرى مثل السيد شريعتمداري والطباطبائي القمي ومحمد رضا الشيرازي، لأنهم رفضوا الخضوع لمبدأ ولاية الفقيه. فالبقاء ليس للأعلم، بل للأكثر ولاءً.
في العراق: نرى كيف تحولت بعض المرجعيات إلى أدوات بيد أحزاب سياسية، تُستخدم فتاواها لتبرير صفقات السلطة أو منح الشرعية لمشاريع مذهبية.
في السعودية: المؤسسة الدينية الرسمية (هيئة كبار العلماء) ارتبطت تمامًا بخط الدولة، بحيث تتحرك الفتوى صعودًا أو هبوطًا مع اتجاهات السلطة.
د. التبعية مقابل الاستقلال
المسألة هنا ليست مجرد انحراف أفراد، بل بنية سلطوية: الدولة تنتج رجال الدين كما تنتج موظفيها الآخرين، وفق منطق الولاء لا وفق منطق المعرفة. ولهذا، نجد أن "العالم المستقل" مهدد دومًا بالتهميش أو الاتهام، بينما "العالم الموالي" يجد الطريق مفتوحًا أمامه.
وهنا تكمن خطورة الظاهرة: الدين نفسه يُختزل في خطاب موظف. الفقيه لم يعد مرشدًا للناس، بل موظفًا في قسم العلاقات العامة للسلطة.
هـ. النتيجة: قتل الاجتهاد
حين يُختزل الدين في مؤسسة رسمية، يُقتل الاجتهاد الحر. لا يعود هناك مجال للتفكير النقدي أو إعادة قراءة النصوص. المطلوب ليس "العالم المبدع"، بل "المكرر المطيع". وهكذا، تُغلق أبواب الإصلاح من الداخل، ويتحوّل الدين إلى خطاب جامد يعيد إنتاج السلطة ويمنع أي تغيير.
***
» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي )
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر
.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا
.. من لبنان إلى الفاتيكان... الدكتورة جويل مبارك تروي تجربة أكا
.. مدينة مشهد.. المحطة الأخيرة في مراسم جنازة المرشد الأعلى الإ
.. نهاية العالم في المسيحية والاسلامية