الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أدلة التطور .. من تشريح الدماغ

محسن عزالدين البكري

2025 / 9 / 1
الطب , والعلوم


أدلة التطور في تركيب الدماغ والسلوك عند الكائنات الحية

هل رأيت في حياتك سحلية أو حشرة يتبعها خلفها فريق من الأطفال صغارها؟ بعد الفقس مباشرة، يشق كل صغير طريقه بنفسه بلا أي رعاية. بالمقابل، الطيور والثدييات تعتني بصغارها بعد خروجهم للحياة. مثال آخر: جرب أن تربي أسماكًا في حوض؛ باستثناء الحيتان والدلافين، أو حتى حشرات وسحالي وزواحف، لن تشعر أنها تملك عاطفة أو صداقة تجاهك، بخلاف الطيور أو حيوانات الثدييات التي تظهر عاطفة ورابطة مع من يربيها.

قد يوجد في بعض الكائنات البدائية نوع من "الاهتمام المحدود" قبل الفقس أو قبل الخروج للحياة، مثل حماية البيوض أو بناء شرانق أو أعشاش، لكنه ينتهي تمامًا عند لحظة الفقس. وبعدها، لا يبقى أي رابط بين الصغار والآباء. ولهذا، لا يمكنك أن تربي نملًا أو عناكبًا وتتوقع منها أن تُظهر صداقة أو ارتباطًا عاطفيًا بك، فمستوى الرعاية عندها محصور قبل الميلاد أو الفقس فقط، بخلاف الطيور والثدييات التي يمتد عندها الاهتمام والرعاية إلى ما بعد الخروج ويستمر طويلًا.

الآن، كيف يكون هذا دليلًا على التطور؟ إذا غصنا في أدمغة هذه الكائنات، نجد طبقة عميقة موجودة عند الجميع، وهي الدماغ البدائي (Reptilian Brain)، المسؤول عن الغرائز الأساسية للبقاء مثل التنفس، الأكل، الهروب والتكاثر. عند الكائنات البدائية فقط، هذه الطبقة هي الأعلى والوحيدة، أما عند الكائنات الأرقى، فهي موجودة في العمق، لكنها محاطة بطبقات إضافية.

الطبقة الثانية هي الجهاز الحوفي (Limbic System) في الدماغ الأوسط، المسؤول عن المشاعر البدائية كالخوف والغضب والمكافأة، وربما بعض الرعاية الغريزية قبل الولادة، ويعطي الكائن أساسًا للعاطفة لكنه محدود مقارنة بالقشرة الدماغية العليا.

وأخيرًا، في أكثر الكائنات تطورًا، تظهر القشرة الدماغية كطبقة ثالثة، تغطي أعلى الدماغ ونصفي الكرة الدماغية، وتضيف القدرة على التعاطف، الرعاية، والتواصل الاجتماعي المستمر. كل طبقة جديدة تأتي فوق السابقة، تمامًا كما يُبنى منزل: الطوب، ثم الأسمنت، وأخيرًا الديكور، حيث كل طبقة تضيف بعدًا جديدًا للسلوك والعاطفة.

لو نظرنا إلى الأمثلة، نجد أثر هذه الطبقات: الحشرات لا توجد بينها وبين صغارها علاقة بعد الفقس، والزواحف أيضًا؛ فالصغار بمجرد أن تفقس تشق طريقها بدون رعاية. أما الطيور والثدييات، فتظهر الرعاية، التعلم، والتواصل الطويل الأمد.

هذا التدرج بين الدماغ البدائي، الجهاز الحوفي، والقشرة، وطريقة ترتيبه — الطبقة الأولى للجميع، فوقها الطبقة الثانية، ثم الثالثة الأكثر رقيًا، مع زيادة تجاعيد القشرة كلما كان الكائن أكثر تعاطفًا وتعاونًا — هذا دليل حي على التطور. كل طبقة جاءت لاحقة وأضفت وظيفة جديدة، وكلها تشير إلى أصل مشترك للكائنات. والتراكم الوظيفي للطبقات يوضح كيف تطور الدماغ تشريحيًا وبنفس الترتيب عند جميع الفقاريات. ولو كان الخلق منفصلًا لكان ممكن أن تظهر المراكز مختلطة في أي مكان من الدماغ أو بجانب بعضها، لكن الترتيب الأفقي يظهر طبقة فوق طبقة، أشبه بالبناء أو ترسب طبقات التربة والصخور في الجيولوجيا؛ فالطبقة السفلى أقدم، ثم تأتي الطبقة التالية، وهكذا، مما يوضح التدرج الزمني والتراكمي.

---

تحياتي:








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاعلكم | كل ما تحتاج معرفته عن الحالة الطبية النادرة انعدام


.. مياه سامّة | مياه جافة | ناشونال جيوغرافيك أبوظبي




.. موسم جديد | إخفاقات البناء | ناشونال جيوغرافيك أبوظبي


.. عندما يبدع الفن في تناغم مع الطبيعة بالأرجنتين




.. نقاش الساعة - سجال حول قانون البحار والمرور عبر مضيق هرمز