الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المغترب ... انسان ممزق بين غربتين

نصرت كيتكاني

2025 / 9 / 4
المجتمع المدني


المغترب… إنسان ممزق بين غربتين

الغربة ليست مجرد رحلة عمل أو إقامة في بلد آخر، إنها حالة نفسية واجتماعية معقدة يعيشها ملايين البشر. المغترب إنسان يعيش غربتين معا: غربة المكان حيث لا يشعر بالانتماء، و غربة الروح حيث يظل قلبه مشدودا إلى وطنه وأهله.
و بين ألم الغربة وشوق الوطن ينام المغترب على وسادة مبللة بالحنين. الوطن ليس مجرد أرض، بل هو ذكريات الطفولة، رائحة الخبز في بيت الأم، دفء الأصدقاء، وطقوس صغيرة تجعل الإنسان يشعر بأنه كامل. وحين يُنتزع من هذا السياق، يعيش دائمًا في حالة فقدان جزئي للذات.
و في الوطن، كان له مكانة ودور اجتماعي، صلة رحم وجيرة وكرامة.
أما في الغربة، فيُختصر وجوده غالباً في "آلة عمل"، يُقدَّر بما يرسله من مال أكثر مما يُقدَّر بما يملكه من مشاعر أو مكانة. هذا التحول من "إنسان له قيمة اجتماعية" إلى "مجرد عامل" هو أقسى ما يواجهه المغترب.
و ان الغربة ليست جرحًا للفرد فقط، بل للعائلة بأكملها. أبناء ينشؤن بعيداً عن آبائهم، أو في مجتمعات لا تشبه جذورهم. فجوة ثقافية تكبر مع الزمن، فتجعل التواصل أصعب بين جيل الأبناء وجيل الآباء. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: أسرة جسديًا متفرقة، وروحياً متباعدة.
أما الأبناء الذين يكبرون في الغربة يجدون أنفسهم بين هويتين: هوية الأهل التي تُزرع في البيت، وهوية المجتمع الجديد التي تفرضها المدرسة والبيئة. ومع ضعف الروابط الأسرية، يزداد احتمال الضياع بين الثقافات. في النهاية، يشعر الأبناء أنهم "غرباء في وطنين"، لا هنا مندمجون تمامًا ولا هناك منتمون بحق.
و كما ان المغترب يعيش دائماً بين خيارين أحلاهما مر : العودة إلى وطنٍ لا يوفّر له أماناً اقتصاياً أو سياسياً ، أو البقاء في غربة تستنزف روحه و تفككه اجتماعياً. هذا التمزق يولّد إحساساً دائمًا بالعجز عن تقبل أي واقع، وكأنه محكوم بالاغتراب أينما كان.
و في النهاية فإن المغترب ليس مجرد "مسافر"، إنه جرح نازف في جسد الوطن والمجتمع.
هو إنسان فقد شيئاً من نفسه هناك، وترك جزءاً من قلبه هنا.
ومع ذلك، يظل المغترب رمزًا للصبر و الكفاح، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى أن يُعامَل كإنسان كامل القيمة، لا مجرد وسيلة اقتصادية.
فالوطن الذي لا يحتضن أبناءه، يدفعهم إلى الغربة؛ والغربة التي لا تعطي الإنسان قيمته، تسرق منه إنسانيته. و المغترب سيبقى معلقاً بين الاثنين… حتى تُبنى أوطان عادلة تُغنيه عن الرحيل








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مندوب سوريا بالأمم المتحدة يحذر من خطر التوغل الإسرائيلي


.. مدعٍ عام سابق للجزيرة: وصمة عار على أمريكا.. مات في غوانتانا




.. How Economic, Social and Cultural Rights have Evolved From A


.. جهود الخماسية تتصاعد لدعم الحوار السوداني وإغاثة المتأثرين




.. مندوب السعودية بالأمم المتحدة: لن نتردد في ردع اعتداءات الحو