الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
نقاش حول مقال -عثرات على طريق الدولة- للكاتب فهد الشقيران
فاروق محمد الشاوي
(Farouk M. El-shawy)
2025 / 9 / 4
مواضيع وابحاث سياسية
يطرح الكاتب السعودي فهد سليمان الشقيران في مقاله “عثرات على طريق الدولة”، المنشور في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 4 سبتمبر 2025، قضية شائكة وذات أبعاد تاريخية وفكرية عميقة، وهي إشكالية بناء الدولة الوطنية الحديثة في العالمين العربي والإسلامي، وفي بعض مناطق إفريقيا. المقال يتناول الفكرة من زوايا متقاطعة: تاريخية وفكرية وسياسية، ويستند إلى أطروحات أكاديمية لافتة، مثل أطروحة وائل حلاق حول “الدولة المستحيلة في الإسلام”، وأطروحة حمدي عبد الرحمن عن “الدولة المستحيلة في إفريقيا”.
ما يميز المقال هو الجمع بين البعد التاريخي لنشوء مفهوم الدولة، الذي تبلور بعد صلح وستفاليا 1648، وبين التحديات المحلية التي واجهتها منطقتنا في محاولتها لالتقاط هذا المفهوم وتوطينه. وهنا تبرز قوة المقال في ربط الماضي بالحاضر، وفي التنبيه إلى أن إشكالياتنا الراهنة لا يمكن فهمها بمعزل عن السياقات التاريخية الطويلة، سواء كانت صراعات الخلافات أو آثار الاستعمار أو الأزمات الأيديولوجية الحديثة.
لكن رغم أهمية هذا الطرح، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات النقدية التي تستدعي النقاش والتوسع، سواء من زاوية التحليل أو من زاوية البدائل التي يقترحها الكاتب.
أولاً:
يعتمد المقال على مسلَّمة أن الدولة الوطنية الحديثة، كما تشكّلت في أوروبا، هي النموذج الأمثل والوحيد الممكن لتحقيق الاستقرار والتنمية. وهذا افتراض يحتاج إلى نقاش أوسع، إذ أن تجارب التاريخ المقارن تُظهر أن أشكال الحكم والسيادة ليست بالضرورة منسوخة عن النموذج الغربي وحده، بل يمكن أن تتكيف مع الخصوصيات الحضارية والثقافية. صحيح أن وستفاليا مثّلت لحظة فارقة في التاريخ الأوروبي، لكن هل يمكن القول إن العالم بأسره مطالب باستنساخ هذا النموذج بحذافيره؟ هنا يغيب عن المقال نقاش تجارب بديلة في آسيا مثلاً، حيث تمكنت دول مثل الصين والهند واليابان من بناء دول قوية، لكن على أسس مختلفة عن الصيغة الأوروبية البحتة.
ثانياً:
يستشهد الكاتب بأطروحة وائل حلاق حول “استحالة الدولة الإسلامية”، وهي أطروحة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والفكرية. غير أن المقال يكتفي بعرض الفكرة دون أن يناقشها بعمق. إذ أن نقد حلاق لمفهوم الدولة الحديثة لا يقتصر على الجانب الإسلامي وحده، بل يتجاوز ذلك إلى نقد الدولة الحديثة نفسها باعتبارها كياناً متناقضاً مع القيم الأخلاقية والمعايير الإنسانية. كان من المفيد لو تطرّق المقال إلى هذه النقطة، ليتضح للقارئ أن مأزق الدولة لا يقتصر على العالم الإسلامي وحده، بل هو إشكالية كونية تعاني منها حتى الديمقراطيات الغربية اليوم مع صعود الشعبويات وتفكك العقد الاجتماعي.
ثالثاً:
يربط المقال بين فشل الدولة في إفريقيا والعالم العربي وبين آثار الاستعمار والإرث التاريخي للخلافات، وهو ربط صحيح إلى حد كبير، لكنه يحتاج إلى توسيع دائرة التحليل. فالتجارب الناجحة في المنطقة، مثل بعض دول الخليج، تشير إلى أن الإرادة السياسية الرشيدة والقدرة على إدارة الموارد يمكن أن تتغلب على الإرث الاستعماري. وبالمقابل، فإن دولاً في إفريقيا ما زالت عاجزة عن تجاوز آثار الاستعمار رغم مرور عقود طويلة على الاستقلال. ما يعني أن العامل الحاسم لا يكمن فقط في التاريخ، بل في قدرة النخب الحاكمة على استيعاب مفهوم الدولة كعقد اجتماعي جامع، لا كأداة للاستحواذ على السلطة والثروة.
رابعاً:
من النقاط المضيئة في المقال إشارته إلى خطورة “ارتهان الدولة” إلى فصيل أو حزب أو ميليشيا تفرض منطقها على القرار السيادي. وهذه بالفعل من أكبر عثرات بناء الدولة في المنطقة العربية، حيث شهدنا في العقود الأخيرة نماذج متعددة لدول مختطفة من قبل قوى طائفية أو مسلحة. لكن ما كان ينقص المقال هو تقديم رؤية أكثر تفصيلية لكيفية تجاوز هذا المأزق. فالسؤال الذي طرحه الكاتب “أين البيئة السياسية التي تريد فعلياً بناء الدولة؟” يظل سؤالاً مفتوحاً، لكنه يحتاج إلى أجوبة عملية تتعلق بإصلاح التعليم، وبناء ثقافة سياسية جديدة، وتعزيز استقلال المؤسسات، وهي عناصر لم يتطرق إليها المقال إلا تلميحاً.
خامساً:
يمكن القول إن المقال يحمل نزعة واقعية، لكنه يغلب عليه الطابع التحذيري أكثر من الطابع البنائي. فهو يحذر من العثرات التي تعيق نشوء الدولة، ويؤكد على ضرورة توافر الشروط النظرية والعملية لتأسيسها، لكنه لا يقدم خريطة طريق واضحة. ربما يكون ذلك مقصوداً بحكم طبيعة المقال الصحفي لا الأكاديمي، لكن القارئ الذي يبحث عن حلول قد يخرج بانطباع أن المقال أثار المشكلة أكثر مما اقترح بدائل عملية لتجاوزها.
سادساً:
في النقاش الأكاديمي حول مفهوم الدولة، هناك تيارات فكرية معاصرة ترى أن الدولة القومية نفسها في مأزق عالمي مع العولمة والثورة الرقمية والتحديات البيئية. المقال لم يتطرق إلى هذه الأبعاد، وكأنه يكتفي بتأكيد مركزية الدولة الحديثة باعتبارها الحل النهائي. غير أن النقاش العالمي اليوم يشير إلى أن الدولة قد تحتاج إلى إعادة تعريف في ظل الحدود المفتوحة والتداخل الاقتصادي العابر للقوميات. وهذا ما يجعل النقاش حول مستقبل الدولة أوسع وأعقد من مجرد استدعاء النموذج الوستفالي.
في الختام، يمكن القول إن مقال فهد سليمان الشقيران يقدّم مدخلاً مهماً لإثارة نقاش جوهري حول إشكالية الدولة في العالم العربي والإسلامي، ويضع يده على عدد من العثرات التاريخية والفكرية والسياسية التي أعاقت هذا المشروع. قوته تكمن في قدرته على استدعاء مراجع أكاديمية وإسقاطها على الواقع السياسي الراهن. لكن محدوديته تكمن في غياب التعمق في نقد بعض الأطروحات، وفي عدم تقديم رؤية متكاملة لما بعد التشخيص. وهو ما يجعل المقال أقرب إلى “جرس إنذار” يدعو النخب الفكرية والسياسية إلى التفكير بجدية في سؤال الدولة، لا بوصفها مفهوماً مستورداً، بل بوصفها عقداً اجتماعياً قابلاً للتكيّف مع السياق المحلي والإقليمي، وقادراً على مواجهة تحديات المستقبل.
بهذا المعنى، فإن المقال يشكل خطوة في الطريق الصحيح نحو إعادة فتح النقاش حول الدولة، لكنه يحتاج إلى أن يُستكمل بدراسات أكثر عمقاً تجمع بين البعد التاريخي والبعد العملي، وبين النقد والتحليل من جهة، واقتراح البدائل والحلول من جهة أخرى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الصين تدعو لوقف الصراع الأمريكي الإيراني وفتح مضيق هرمز
.. نافذة تحليلية - دلالات صفقة القنابل الأمريكية الجديدة لإسرائ
.. صفقة ذخائر أميركية ضخمة لإسرائيل.. لماذا الآن؟ وأين ستستخدم؟
.. الدفاع المدني في غزة ينتشل 21 شهيدا من تحت أنقاض بناية السعا
.. نتنياهو يلوح بسحب الجنسية من المتهمين بتشويه سمعة الجيش الإس