الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تذكرة إلى جنيف: حين تنتصر الدبلوماسية وتبكي العدالة في بغداد. العراق عضوا في مجلس حقوقةالانسان
خليل إبراهيم كاظم الحمداني
2025 / 9 / 4حقوق الانسان
مقدمة: مفارقة دبلوماسية في زمن الانتهاكات
مرة أخرى، يطرق العراق أبواب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، معلناً ترشحه لعضوية المجلس للفترة 2026-2028. يأتي هذا الترشيح، الذي تقدمه بغداد بفخر دبلوماسي، ليكون الثاني في تاريخها بعد عضويتها الأولى بين عامي 2017 و2019. للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر نجاحاً للسياسة الخارجية العراقية، لكن نظرة أعمق تكشف عن مفارقة صارخة ومقلقة؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة لتلميع صورتها على المسرح الدولي، يعيش الداخل العراقي واقعاً حقوقياً قاتماً، يتسم بالإفلات من العقاب وقمع الحريات وتغييب متعمد لمؤسسات العدالة.
"انتخابات" صورية: نجاح بلا استحقاق
يأتي ترشح العراق ضمن مجموعة دول آسيا والمحيط الهادئ، حيث تتنافس أربع دول هي العراق والهند وباكستان وفيتنام على أربعة مقاعد متاحة. هذا الترتيب، المعروف بـ"القائمة المغلقة" (Clean Slate)، يعني فعلياً أن "الانتخابات" شكلية والنتيجة محسومة سلفاً، فكل مرشح ضامن للفوز ، هنا يكمن أول أوجه السجال: كيف يمكن لدولة أن تحصل على عضوية في أرفع هيئة أممية معنية بحقوق الإنسان دون منافسة حقيقية أو تدقيق في سجلها؟ إن هذا "النجاح" الدبلوماسي، المبني على التوافقات الإقليمية، يفرغ عملية الانتخاب من مضمونها ويطرح أسئلة جدية حول مصداقية المجلس نفسه، الذي يفترض أن يضم في عضويته الدول الأكثر التزاماً بمعايير حقوق الإنسان.
سجل حافل بالوعود المنكوثة والفشل الحقوقي
إن المفارقة تزداد حدة عند استعراض السجل الحقوقي للعراق، خاصة في السنوات التي تلت عضويته الأولى. فقد خسر العراق مقعده في انتخابات عام 2019 بالتزامن مع القمع الوحشي لانتفاضة تشرين، حيث واجهت القوات الأمنية والميليشيات المسلحة المتظاهرين السلميين بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع، مما أدى إلى مقتل المئات وإصابة الآلاف وبعد مرور خمس سنوات، لا تزال العدالة غائبة تماماً.
• إفلات تام من العقاب: على الرغم من الوعود الحكومية المتكررة وتشكيل لجان تحقيق، لم تتم محاسبة أي مسؤول رفيع المستوى أو قائد أمني عن الجرائم المرتكبة ضد المحتجين لقد تحول الإفلات من العقاب إلى سياسة ممنهجة تحمي الجناة وتخذل الضحايا وعائلاتهم.
• تقويض حرية التعبير: يشهد الفضاء المدني في العراق تضييقاً متزايداً. فالسلطات تستخدم قوانين فضفاضة مثل "التشهير" و"المساس بالنظام العام" لملاحقة الصحفيين والناشطين ومنتقدي الأداء الحكومي. كما تسعى لتمرير مشاريع قوانين جديدة، مثل قانون "حرية التعبير" وقانون "الجرائم الإلكترونية"، والتي حذرت منظمات دولية من أنها ستفرض قيوداً صارمة على الحريات الأساسية وتشرعن القمع
• تغييب مؤسسات الرقابة: في خطوة تكشف عن نية مبيتة لتقويض الرقابة الحقوقية، تعيش المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق حالة شلل تام منذ انتهاء ولاية مجلس مفوضيها في عام 2021. وقد أدت الخلافات السياسية والمحاصصة إلى إبقاء هذه المؤسسة الدستورية الحيوية معطلة، مما أفقد العراق هيئة وطنية مستقلة لمراقبة الانتهاكات، وأدى إلى تخفيض تصنيفها الدولي.
توقيت مريب: ورقة انتخابية أم التزام حقيقي؟
لا يمكن فصل هذا الترشيح عن السياق السياسي الداخلي، حيث من المقرر إجراء الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2025 يبدو أن الحكومة الحالية تسعى لاستخدام عضوية مجلس حقوق الإنسان كورقة انتخابية، لتقدم نفسها للناخب العراقي بصورة الدولة المقبولة دولياً والتي تحظى باحترام المجتمع الدولي. إنه استعراض دبلوماسي يهدف إلى التغطية على الإخفاقات الداخلية العميقة في ملفات الاقتصاد والخدمات والعدالة. فبدلاً من مواجهة التحديات الحقوقية الجسيمة وتحقيق العدالة لمواطنيها، تختار الحكومة الهروب إلى الأمام، باحثة عن شرعية خارجية قد لا تعكس الواقع المرير الذي يعيشه العراقيون.
خاتمة: عضوية تجرح مصداقية المجلس
إن عودة العراق المحتملة إلى مجلس حقوق الإنسان عبر بوابة "انتخابات" غير تنافسية تمثل انتكاسة لمبادئ المجلس ذاتها. فكيف يمكن لدولة لم تحاسب قتلة أبنائها، وتعمل على تكميم أفواه منتقديها، وتعطل مؤسساتها الرقابية، أن تساهم في تعزيز حقوق الإنسان في العالم؟ إن هذا الترشيح ليس سوى محاولة لتوظيف الدبلوماسية كغطاء للفشل الحقوقي، وهو ما يضع على عاتق الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مسؤولية مساءلة المرشحين عن سجلاتهم، والتأكد من أن عضوية المجلس لا تمنح كمكافأة سياسية، بل هي تكليف لمن يثبت جدارته قولاً وفعلاً في حماية كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-
.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا
.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..
.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول
.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع