الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدور العراقي كوسيط في الملف الأيراني النووي هل يجدي بنفع؟
رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
2025 / 9 / 4
مواضيع وابحاث سياسية
تعيش إيران لحظة فارقة في مسار ملفها النووي، إذ أن جميع المناورات السياسية وأساليب المماطلة التي اعتادت اتباعها مع الأطراف الغربية قد وصلت إلى مرحلة الإشباع ولم تعد قادرة على إنتاج مساحة إضافية للمناورة. ومع بدء العد التنازلي للمهلة الممنوحة من قبل الاتحاد الأوروبي، وجدت طهران نفسها أمام مأزق حقيقي يهدد بنيتها السياسية الداخلية ويضع النظام القائم أمام اختبار البقاء. هذا الاستشعار بالخطر دفعها إلى البحث عن منافذ بديلة عبر قنوات إقليمية قادرة على التواصل مع الغرب وتقديم رسائل مقنعة أو على الأقل كفيلة بتأجيل المواجهة. وفي هذا السياق برز العراق كخيار أساسي، سواء نتيجة ضغط القوى السياسية الموالية لإيران داخل بغداد، أو بسبب قناعة إيرانية بأن الدبلوماسية العراقية يمكن أن توفر مساحة آمنة للتواصل مع الأطراف الدولية.
العراق في عهد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لم يعد مجرد ساحة نزاع وصراع بين القوى الخارجية كما كان في مراحل سابقة، بل حاول أن يعيد صياغة حضوره من خلال اعتماد سياسة متوازنة قائمة على الدبلوماسية الهادئة والبراغماتية العملية. الغرب، ولا سيما باريس، ينظر إلى السوداني باعتباره شخصية قادرة على الحوار وذات نزعة واقعية بعيدة عن الأدلجة، الأمر الذي جعله محاوراً مقبولاً يمكن أن يقوم بدور الوسيط غير المباشر في الملفات المعقدة. ومن هذا المنطلق جاءت زيارة السوداني إلى مسقط ذات أبعاد تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ أن العاصمة العمانية تعد تاريخياً مركزاً للوساطة في النزاعات الإقليمية والدولية، وهي منذ سنوات تمثل القناة الخلفية للتواصل بين إيران والغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة. نقل السوداني لرسائل دبلوماسية عبر مسقط يعكس محاولة بغداد توظيف موقعها السياسي والجغرافي لفتح قنوات تواصل جديدة وإعادة إنتاج صورتها كطرف فاعل لا مجرد متلقٍ للتجاذبات.
من منظور تحليلي، يمكن القول إن العراق يقف اليوم على أعتاب دور جديد في الساحة الإقليمية والدولية. هذا الدور يجد جذوره في عوامل عدة، أبرزها الموقع الجغرافي الذي يجعل من العراق نقطة توازن بين الخليج وإيران وتركيا وسوريا، إضافة إلى شبكة علاقاته المتعددة التي تمنحه القدرة على التواصل مع واشنطن وطهران والرياض وباريس في آن واحد. كما أن اعتماده على خطاب سياسي أقل حدة وأكثر ميلاً إلى البراغماتية عزز صورته كوسيط محتمل في الملفات الساخنة، بما في ذلك الملف النووي الإيراني الذي يشكل اليوم أحد أكثر الملفات حساسية على المستوى الدولي.
وعند إدماج البعد القانوني الدولي في هذا التحليل يتضح أن الوساطة ليست مجرد ممارسة سياسية، بل هي آلية راسخة في القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية. فميثاق الأمم المتحدة يشجع الدول على تسوية خلافاتها بالوسائل السلمية مثل المفاوضات والوساطة والمساعي الحميدة، مما يمنح أي دولة تقوم بهذا الدور مشروعية دولية خاصة. العراق إذاً أمام فرصة لتعزيز مكانته من خلال ثلاث مستويات مترابطة: المستوى الأممي حيث يمكنه التحول إلى شريك معترف به في مسارات مدعومة من الأمم المتحدة أو القوى الكبرى، المستوى الإقليمي حيث يرسخ مكانته في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عبر لعب أدوار تهدئة ونزع فتيل الأزمات، والمستوى الثنائي حيث يمنحه دوره كوسيط علاقات اقتصادية وأمنية أوسع مع القوى المستفيدة من وساطته، ولا سيما الدول الأوروبية التي تبحث عن قنوات مستقرة للتواصل مع إيران.
إلا أن هذا المسار ليس خالياً من التحديات، إذ يشترط القانون الدولي أن يلتزم الوسيط بمبدأ الحياد وألا يتحول إلى طرف منحاز، وهو ما يشكل معضلة بالنسبة للعراق نظراً لعلاقته المعقدة والعضوية مع إيران. وأي انحراف عن هذا المبدأ قد يفقده شرعيته الدولية ويقوض صورته كوسيط مستقل، ليتحول إلى مجرد أداة ضمن صراع أوسع. لذلك فإن نجاح القيادة العراقية في التوفيق بين التزامها القانوني بالحياد وواقعها السياسي الذي يفرض عليها ضغوطاً داخلية وخارجية سيكون هو العامل الحاسم في تحديد مستقبل هذا الدور.
إن إدماج الاعتبارات القانونية بالدور السياسي يبرز أن العراق يمتلك فرصة تاريخية لإعادة تعريف ذاته في النظام الدولي. فإذا نجح في استثمار موقعه الجغرافي وعلاقاته المتشابكة ضمن الأطر القانونية والدبلوماسية المعترف بها، فإنه سينتقل من موقع المفعول به إلى موقع الفاعل، مما يفتح أمامه آفاقاً أوسع لتعزيز استقراره الداخلي وتثبيت حضوره كجسر بين الشرق والغرب. أما إذا أخفق في اختبار الحياد أو لم يتمكن من إدارة التوازنات الدقيقة، فسوف يخسر هذه الفرصة النادرة ويعود إلى مربع التبعية والتجاذب. وفي كل الأحوال، فإن اللحظة الراهنة تمثل اختباراً لمقدرة العراق على أن يتحول من ساحة للصراع إلى وسيط في إدارة الصراع، ومن دولة مأزومة إلى دولة صانعة للمعادلات الإقليمية والدولية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة عمليات الإنقاذ
.. روما تستضيف الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي
.. بين القصف الأمريكي والرد الإيراني.. الخليج أمام مرحلة خطرة
.. الانتقام الكبير.. مأزق ورعب وضرب في روسيا. فهل اقتربت النهاي
.. زيارة حاسمة إلى واشنطن.. ماذا طلب ترامب من الزيدي؟ | #ستوديو