الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الإعلام الرقمي: فضاء مفتوح بين التثقيف والتضليل
هيثم أحمد محمد
2025 / 9 / 5الصحافة والاعلام
مقدمة
في زمن تتسارع فيه وتيرة التطورات التقنية، بات الإعلام الرقمي نافذتنا الأولى على العالم. فهو مساحة واسعة تُكسر فيها الحدود الجغرافية والزمنية، حيث تصل المعلومة بسرعة البرق إلى ملايين المستخدمين.
فلم يعد الإعلام الرقمي مجرّد وسيلة إضافية لنقل الخبر أو تبادل المعلومات، بل أصبح فضاءً واسعًا يهيمن على تفاصيل الحياة اليومية للإنسان، ويعيد تشكيل وعيه وسلوكياته، ويؤثر في قراراته الفردية والجماعية.
غير أنّ هذه الحرية المطلقة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يشكّل الإعلام الرقمي أداة للتثقيف والوعي، أم يتحول أحياناً إلى منصة للتضليل ونشر الفوضى؟
فمنصة صغيرة على الإنترنت قد تصل رسالتها في دقائق معدودة إلى ملايين البشر، وهو ما يمنح الإعلام الرقمي قوةً مضاعفة، لكنه في الوقت ذاته يثير إشكاليات خطيرة تتعلق بحدود التثقيف من جهة وخطر التضليل من جهة أخرى.
التثقيف.. وجه مشرق
لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي يلعبه الإعلام الرقمي في نشر المعرفة والثقافة، يمنح الإعلام الرقمي فرصًا غير مسبوقة لنشر المعرفة وتبادل الثقافات، فالمكتبات الرقمية، والدورات الإلكترونية المفتوحة، والمنصات التعليمية، مكّنت الأفراد من الوصول إلى مصادر لم تكن متاحة من قبل، كما ساهمت المنصات الإعلامية الجديدة في تعزيز حرية التعبير، ووفّرت مساحات للنقاش المفتوح حول قضايا سياسية، اجتماعية، وثقافية، مما أفرز وعيًا نقديًا لدى قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة الشباب،
لقد أصبح الإعلام الرقمي أيضًا وسيلة لإيصال صوت الفئات المهمّشة، وفضاءً لكشف الحقائق، وميدانًا لمساءلة السلطات ومحاسبة الفساد، وهو ما منحه دورًا إيجابيًا في إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية في أكثر من بلد.
التضليل.. الوجه الآخر للعملة
يقابله فتح الإعلام الرقمي الباب واسعاً أمام الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، إذ أصبح من السهل إنشاء محتوى غير موثوق أو صور وفيديوهات مفبركة قادرة على خداع المتابع العادي، والأخطر أنّ سرعة انتشار هذه الأخبار عبر الشبكات الاجتماعية تفوق أحياناً سرعة انتشار الحقيقة نفسها، وهو ما قد ينعكس سلباً على الأمن المجتمعي ويثير الفتن أو الذعر، وتُستغل خوارزميات المنصات الكبرى في توجيه الرأي العام، عبر ما يُعرف بـ"فقاعات المعلومات" التي تحاصر الفرد بمحتوى يوافق ميوله فقط، مما يضعف التنوع الفكري ويزيد الاستقطاب،
كما تحوّلت بعض المنصات الرقمية إلى أدوات لنشر خطاب الكراهية والعنف، أو ساحات للتلاعب بالعقول عبر الصور المعدّلة والفيديوهات المفبركة (التزييف العميق). وهكذا أصبح الإعلام الرقمي، بدل أن يكون أداة للتثقيف، وسيلةً للهيمنة وصناعة الوهم الجماعي.
بين الفرصة والتحدي
الإعلام الرقمي بين التثقيف والتضليل يسعى الى إيجاد حلول موازنة يضع المجتمعات أمام تحديات مصيرية، فلا يمكن إنكار ما يحمله من فرص عظيمة للتعلّم والتواصل، لكن في الوقت ذاته لا يمكن إغفال مخاطره إذا تُرك بلا ضوابط، الحل يكمن في بناء ثقافة إعلامية رقمية لدى الأفراد، تقوم على؛ التفكير النقدي قبل تصديق أو مشاركة أي محتوى، تعزيز التشريعات التي تكافح خطاب الكراهية والأخبار المضللة دون المساس بحرية التعبير، تشجيع الإعلام المهني على استثمار الرقمنة لإنتاج محتوى رصين وجاذب، تعليم الإعلام الرقمي كمهارة أساسية في المدارس والجامعات، يقف الإعلام الرقمي اليوم بين مسؤولية ضخمة وفرصة ذهبية. فبينما يحمل إمكانات غير محدودة في التثقيف والارتقاء بالمجتمعات، يتطلب في المقابل وعياً نقدياً لدى المتلقي، وتشريعات تواكب هذه الطفرة التقنية، وجهوداً حقيقية لمكافحة التضليل.
خاتمة
يبقى الإعلام الرقمي سلاحاً ذا حدين، يحدد أثره طريقة استخدامه. فإذا ما تم استثماره بوعي ومسؤولية، يمكن أن يصبح مدرسة مفتوحة للجميع، أما إذا تُرك بلا ضوابط، فإنه قد يتحول إلى أداة هدم للثقة والوعي. وبين هذين الخيارين، يبقى دور الفرد أساسياً في التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين التثقيف والتضليل، والإعلام الرقمي يظلّ سلاحًا ذا حدين؛ بقدر ما يفتح أبواب التنوير والتثقيف، يمكن أن يتحول إلى منصة للتضليل والتلاعب بالعقول. والفيصل في هذا الصراع ليس التكنولوجيا نفسها، بل وعي الإنسان وقدرته على الاستخدام الرشيد، فبين يدينا فضاء مفتوح، إما أن نجعله مدرسة للتنوير، أو نتركه يتحول إلى معمل لصناعة الوهم.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سياسات الهجرة الجديدة تحت المجهر القانوني.. هل تحمي أوروبا ح
.. والدا أحمد الأحمد: ابننا شجاع وأنقذ الكثيرين من الموت
.. إجلاء جندي أوكراني بكبسولة مُدرّعة يتم التحكم فيها عن بعد قط
.. فرنسا.. ما أسباب ارتفاع جرائم العنف الأسري ضد النساء؟
.. الاتحاد الأوروبي يدرس تحويل مليارات الأصول الروسية لضمان قرض