الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أمة بلا سؤال.. أمة بلا مستقبل

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2025 / 9 / 5
المجتمع المدني


الحضارة ليست مجرد آلات ولا تقنيات، بل هي هوية حيّة. وكل حضارة كبرى طرحت على نفسها هذا السؤال: كيف نصبح عالميين دون أن نفقد أنفسنا؟ الرومان مثلًا استعانوا بفلسفة اليونان، لكنهم صاغوها على مقاسهم القانوني والسياسي، فخلقوا حضارتهم الخاصة. المسلمون الأوائل ترجموا علوم الفرس واليونان والهنود، لكنهم لم يذوبوا فيها؛ بل صاغوا منها فلسفة ابن رشد وفقه الشافعي وطب الرازي. أي أنهم تفاعلوا مع الآخر، لكنهم لم يلغوا ذواتهم.
اليوم، نحن نخطئ على جبهتين معًا: فمن جهة، هناك من يريد الانغلاق باسم الهوية، وكأن الهوية كائن هشّ يذوب بمجرد ملامسة أي فكر جديد. ومن جهة أخرى، هناك من يذوب تمامًا في الآخر ويستسلم لمنتجاته، فيتحول إلى نسخة باهتة منه. كلا الطريقين طريق موت: الانغلاق يُحوّلنا إلى متحف، والذوبان يُحوّلنا إلى ظلّ بلا ملامح.
الحلّ هو الانفتاح النقدي: أن نأخذ من الآخر أدواته، لكن نملأها بروحنا نحن. أن نفتح النوافذ للعقل العالمي، لكننا نحن من نقرر أي هواء ندخله إلى صدورنا. الحضارة القوية لا تخشى الحوار، بل تخشى الصمت. والهوية الحيّة لا تخاف التفاعل، بل تخاف الجمود.
إن المشكلة ليست في التراث ولا في الدين ولا في الهوية، بل في الطريقة التي نفكر بها. حين نتعامل مع التراث كصنم جامد، نقتله ونقتل أنفسنا معه. وحين نعيد قراءته بعقل معاصر، يتحول إلى طاقة ملهمة. ابن خلدون لم يقدّم للعالم مجرد "نص تراثي"، بل قدّم نظرية في علم الاجتماع ما زالت تُقرأ حتى اليوم لأنه تجرأ على طرح سؤال مختلف.
إذن، النهضة لا تعني القطيعة مع الماضي، بل تحرير الماضي من القداسة العمياء، وإعادة دمجه في مشروع المستقبل. النهضة لا تعني الذوبان في الغرب، بل المشاركة في صناعة العقل الإنساني من موقعنا الخاص. الحضارة ليست "إما نحن أو هم"، بل "نحن في قلب الإنسانية"، بشرط أن نكون فاعلين لا متفرجين.
إن أعظم كارثة هي أن نكتفي بالحديث عن الهوية بينما نعيش على منجزات الآخرين. الهوية لا تُحمى بالخطابات، بل تُحمى بالعلم. أمة قوية بالعلم لا تحتاج إلى أن تبرّر وجودها، لأن وجودها يصبح بحد ذاته برهانًا.
لذلك، فإن النهضة الحقيقية تبدأ من لحظة صادقة: أن نكسر أوهامنا، أن نواجه أنفسنا بالسؤال الصعب: ما الذي يمنعنا من أن نكون مساهمين لا مستهلكين؟ عندها فقط تتحول الهوية من شعار إلى مشروع، ومن ذكرى إلى مستقبل.
‏وفي النهاية، ليس بيننا وبين المتاحف سوى جدار من صراخ فارغ وأغنية قديمة. ‏المعضلة ليست في ذوباننا أو انغلاقنا، بل في أننا أصبحنا نتنفس هواء الآخرين وندّعي أنه الأكسجين الأصلي لحضارتنا. ‏التاريخ لا يتسع لمن يخاف الضوء، ولا يحنّ لمن أغلق نافذته بإرادته. ‏فإلى متى نظل ننتظر معجزة تسقط من سقف الذاكرة؟
‏ربما حين نصحو ذات صباح ونكتشف أننا لم نكن سوى عابرين مكررين في سردية غيرنا، عندها قد ندرك أخيرًا أن الهوية الحيّة تُصنع بالصراع، لا بالنوم على الأطلال.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-


.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا




.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..


.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول




.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع