الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المحكمة الدستورية بين القانون بكامله وبين -الجلي- و-البيّن- منه
خالد خالص
2025 / 9 / 5دراسات وابحاث قانونية
يشكل قرار المحكمة الدستورية عدد 255/25 الصادر بتاريخ 4 غشت 2025 بشأن قانون المسطرة المدنية محطة بارزة في مسار الرقابة الدستورية بالمغرب. فالمحكمة، وهي تباشر مهامها في صيانة مبدأ سمو الدستور وحماية الحقوق والحريات، أوضحت في حيثيات قرارها أن الإحالة التي قام بها رئيس مجلس النواب لم تتضمن مآخذ دقيقة على النص المكوَّن من 644 مادة، الأمر الذي جعل دورها ينحصر في التحقق من احترام المسطرة الدستورية من جهة، وتحديد المقتضيات غير المطابقة للدستور من جهة ثانية.
وهنا يطرح السؤال: هل كان على رئيس مجلس النواب أن يجعل الإحالة تنصب على المقتضيات المشكوك في دستوريتها، أم أن إحالة القانون برمته هو الصواب؟
عند الوقوف على حرفية المادة 132 من الدستور، نلاحظ أنها استعملت عبارة «القوانين» بصيغة الجمع، ما قد يُفهم منه أن الإحالة تشمل النصوص بكاملها. وربما استند رئيس مجلس النواب إلى هذا التأويل حين أحال القانون برمته، مستفيدا من غياب الحسم الدستوري في هذه النقطة، وكأنه يقول للمحكمة: «ها هو القانون كما صودق عليه، فافحصوه». غير أن هذا التوجه يُنتقد بشدة، لأنه يحول الإحالة إلى وسيلة للتخلي عن المسؤولية السياسية والرقابية للبرلمان.
صحيح أن إحالة القانون برمته ممكنة من الناحية النظرية، غير أن الأجدر – عمليا ووظيفيا – أن تقتصر الإحالة على المواد المشكوك في دستوريتها مع بيان أسباب الإحالة. فهذا التوجه ينسجم أكثر مع روح الرقابة الدستورية، ومع التجارب المقارنة، وعلى رأسها التجربة الفرنسية التي استلهم منها المغرب جزءا كبيرا من نظامه الدستوري. وهو ما يشكل دعوة صريحة إلى البرلمان والحكومة كيلا يتعاملا مع الإحالة كإجراء شكلي، بل كآلية دقيقة لحماية الدستور.
فالغاية من الإحالة ليست أن تتحول المحكمة الدستورية إلى مشرّع ثان يراجع 644 مادة مادةً كما وقع بالنسبة لقانون المسطرة المدنية، بل أن تقول كلمتها في المقتضيات التي أثارت شبهات أو اعتراضات جدية. ولهذا فإن الإحالة ينبغي أن تكون معللة ومحددة، وتبين بدقة المواد أو الفصول محل التشكك، مع إبراز أوجه عدم دستوريتها.
وبالرجوع إلى نازلة الحال، فإن التساؤل التالي يظل مشروعا: لماذا لم يحل رئيس مجلس النواب مواد بعينها من القانون كان يشك في دستوريتها، واختار بدل ذلك إحالة النص بكامله دفعة واحدة؟ خطوة قد تبدو – في نظر البعض – وكأنها محاولة لتقديم "سُمٍّ مدسوس في العسل" للمحكمة الدستورية، على أمل أن تكتفي بالتصريح بعدم دستورية بعض المقتضيات وتزكي الباقي وكأنه مطابق للدستور على طريقة «مريضنا ما عندو باس».
لكن المحكمة، وبمنهجية وُصفت بالصرامة والدقة، لم تنجرّ إلى هذا الفخ، ولم تدخل في تفصيل كل جزئية أو ثغرة صغيرة، بل حصرت تدخلها في المقتضيات التي رأت بوضوح أنها تشكل خرقا "جليا" و"بيّنا" لمقتضيات الدستور، فصرحت بعدم دستورية 36 مادة. وهو رقم لافت، خاصة وأن المحكمة أكدت أنها لم تتناول سوى الانتهاكات الصارخة «من غير حاجة لفحص دستورية باقي مواد ومقتضيات القانون المحال». فما الذي كان سيكون عليه الأمر لو توسعت رقابتها لتشمل باقي المواد؟.
إن هذا القرار لا يكشف فقط عن خلل في النص المحال، بل يعري أيضا قصورا في التخطيط التشريعي وضعفا في الرقابة السياسية. فقد وجهت المحكمة الدستورية رسالة واضحة إلى السلطتين معا: إلى البرلمان بأن الإحالة مسؤولية دستورية جادة وليست التفافا سياسيا، وإلى الحكومة بأن التشريع المرتجل لا يصمد أمام الرقابة القضائية.
وبعبارة أخرى، أرادت المحكمة أن تقول إن الدستور ليس مجالا للتأويل المصلحي أو التوظيف السياسي، بل مرجعية عليا ملزمة، وأي مساس بجوهره مصيره السقوط، مهما كانت الحسابات أو التبريرات.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع
.. تقرير حقوقي يرصد أوضاعا قاسية داخل أكبر مركز لاحتجاز المهاجر
.. أخبار الصباح | رسالة عاجلة من الأمم المتحدة.. أوقفوا الحرب ق
.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق
.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات