الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صياغة القوانين ودور المؤسسات الدستورية

خالد خالص

2025 / 9 / 6
دراسات وابحاث قانونية


بين النص الدستوري والممارسة
ينص الدستور المغربي بوضوح على ضرورة إشراك واستشارة مؤسسات دستورية وازنة خلال مسار إعداد النصوص القانونية، سواء من قبل الجهاز التنفيذي في مرحلة الإعداد أو من قبل الجهاز التشريعي في مرحلة المناقشة والمصادقة. ومن بين هذه المؤسسات نذكر:
- المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ( الفصل 113 من الدستور ولقد خصصنا له حلقة كاملة من أحاديث الاثنين )
- رئاسة النيابة العامة، ( الاستشارة هنا تَرِد حين يتعلق مشروع النص بمسائل تخص القضاء أو العدالة شأنها شأن المجلس الأعلى للسلطة القضائية )
- المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ( الفصل 152 من الدستور)
- المجلس الوطني لحقوق الإنسان. ( الفصل 162 من الدستور )
غير أن الملاحظة الأساسية التي تفرض نفسها، هي أن بصمات هذه المؤسسات في كثير من الأحيان لا تترك أثرا جليا في النصوص التي تحال عليها. ويكفي التذكير بما جرى مع مشروع قانون المسطرة المدنية، حيث جاءت النصوص النهائية ضعيفة الصياغة ومليئة بالثغرات، وكأن الاستشارات كانت مجرد محطة بروتوكولية أكثر منها آلية فعلية لتجويد العمل التشريعي وضمان مطابقته لمقتضيات الدستور اللهم إذا غضت الحكومة الطرف عن مقترحات هاته المؤسسات حيث يصير العذر أكبر من الزلة.
القرار الأخير للمحكمة الدستورية بشأن قانون المسطرة المدنية أبان عن أن المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها باعتبارها صاحبة المبادرة التشريعية، ولا على البرلمان وحده باعتباره سلطة المصادقة، بل تمتد أيضا إلى المؤسسات الدستورية المستشارة التي لم تعط وزنا كافيا لملاحظاتها أو لم تُمارس دورها بالجدية المطلوبة.
ولعل السؤال المقلق الذي يطرح نفسه هنا هو: ماذا لو لم تتم إحالة قانون المسطرة المدنية على المحكمة الدستورية؟ ألسنا أمام خطر تمرير نصوص نافذة قد تضرب الدستور في جوهره وتمس بمبدأ سموه وحجّيته على باقي القوانين؟
إن أهم ما نستخلصه من هذا القرار أن التشريع ليس عملية تقنية أو إجرائية عابرة، بل هو مسؤولية تاريخية وسياسية وأخلاقية ترهن مصير الأجيال لعقود. وحين تتحول الاستشارات إلى مجرد واجهة شكلية، وحين يغيب التدقيق الجاد في صياغة النصوص، فإننا نُعرّض دولة الحق والقانون لأخطار حقيقية.
ومع أن الرقابة الدستورية تمثل حصنا أخيرا لصيانة الدستور وضمان سموه، إلا أنها لا ينبغي أن تعفي الفاعلين الآخرين – حكومة، برلمان، ومؤسسات دستورية استشارية – من واجب التحري، واليقظة، والحرص على صناعة تشريع متين يحترم الدستور ويستجيب لانتظارات المجتمع.
إن صناعة القوانين ليست تمرينا شكليا ولا مناسبة لملء الفراغ التشريعي، بل هي رهان وطني كبير، يقتضي أن «نشرّع بأيدينا وهي ترتجف»، كما قال مونتيسكيو، لأن كل كلمة في النص التشريعي هي التزام تاريخي أمام الأمة. وإذا لم تستوعب مؤسساتنا الدستورية هذا الدرس، فإننا سنظل نعيد إنتاج نفس الأعطاب التي لا تفتأ المحكمة الدستورية تصححها، حينما تحال النصوص عليها إما وجوبا إذا تعلق الأمر بالقوانين التنظيمية وإما اختيارا عندما يتعلق الأمر بقوانين عادية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أخبار الصباح | رسالة عاجلة من الأمم المتحدة.. أوقفوا الحرب ق


.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق




.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات


.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف




.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود