الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الرصاصة الرابعة

نعمة المهدي

2025 / 9 / 6
الادب والفن


كل من جَرّب الفقد يعرف أن الليل لا ينام كما ينام النهار؛ في العتمة تصبح الأبواب كائنات حيّة، تُراقب وتتنفس.

أبو سمير، رجل سبعيني، عاش بعد رحيل زوجته كمن يسكن بيتًا مهجورًا في داخله. كل ليلة يكرر طقوسه الصغيرة: يُغلق باب غرفته، يعلّق مسبحتها القديمة على مسمار بجواره، ويجلس بين كتابٍ وتلفازٍ خافت الصوت.

البيت في بغداد صامت، إلا من ضحكات حفيدته فاطمة، التي تُطل بين حين وآخر كبريق قصير يذكّره أن الحياة ما زالت تصرّ على الوجود. ضوء المصباح الأصفر يلقي ظلالًا متراقصة على جدار الغرفة، والمسبحة تلمع خرزة منها كعين يقظة.

ثم دوّى صوت خافت… كأن الباب بدأ يتنفس.

ارتجف المقبض. حركة بطيئة ثم أكثر قوة. تجمّد أبو سمير في مكانه. صاح بصوتٍ مرتعش:
– منو؟!
لا جواب. بل ازداد الدفع.
المسبحة اهتزّت فجأة، اصطدمت بالباب وكأنها تدق ناقوس خطر. ارتجف قلبه. سحب هاتفه على عجل، اتصل بجاره سرمد، لكن الهاتف رنّ بلا رد. جَرّب ابنه منير، البعيد ساعة كاملة، ولم يجب هو الآخر.

في تلك اللحظة شعر أنه وحيد تمامًا، محاصر بين جدران خوفه. وفجأة اخترق الباب صوتٌ صاعق: رصاصة حادّة أصابت الخشب ولم تمسّ القفل. ارتجفت ركبتاه، كاد يسقط. تبعتها ثانية… ثم ثالثة.

كان ينتظر أن ينكسر الخشب أو ينهار القفل، لكن الصمت بين الطلقات كان أشد وقعًا من الرصاص نفسه.
ارتفع صراخه في صدره، اختنقت أنفاسه، وغرقت الغرفة في فوضى بين أزيز الرصاص وصدى خطوات غامضة.

ثم… الرصاصة الرابعة دوّت كأنها مزّقت جدار الغرفة، ومعها انفجر قلبه رعبًا.

فجأة، انشقّت الظلمة على صوت آخر…
– بابا… بابا… قوم… العشاء صار جاهز.

فتح عينيه مذعورًا. وجد نفسه على سريره، الغرفة ساكنة، الباب في مكانه لم يُمسّ، المسبحة معلّقة ساكنة لم تتحرك. العرق يغمر وجهه، وصوت زهراء عند الباب ما زال يتردد بلطف.

جلس ببطء، يتلفّت حوله، يلتقط أنفاسه. لم يكن هناك رصاص، لم يكن هناك لصوص، لم يكن هناك سوى حلمٍ غلّفه الخوف وألبسه ثوب الحقيقة.

مدّ يده إلى المسبحة، أمسكها بشدة، كأنها الدليل الوحيد على أن ما عاشه منذ لحظات لم يكن إلا كابوسًا.

ومع ذلك، حين نهض وسار نحو المطبخ، ظلّ قلبه يهمس:
– أكان حلمًا حقًا؟ أم أن الفقد لا يتركك إلا ليعود في هيئة كوابيس أشد واقعية من اليقظة؟

مدّ يده ليغلق الباب تمامًا، لكن أذنه أقسمت أنها التقطت طَرقًا جديدًا، خافتًا، كأن الليل لم ينته بعد.

لقد عرف أبو سمير – ولو للحظة – أن أبواب الحياة ليست دائمًا ما تفتح من الخارج، بل أحيانًا ما ينكسر في الداخل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مهرجان كان السينمائي مرآة للآراء السياسية • فرانس 24


.. جولة في عالم الفن الإسلامي.. متحف الخزف بالزمالك والدخول مجا




.. هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك


.. الرئيس السيسي يشهد فيلم تسجيلي بعنوان -الدلتا الجديدة- في فع




.. أنغام بتغني على المسرح بنفس جودة الأستوديو.. شاهد تفاصيل حفل