الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تغييب المحامين عن صناعة التشريع القضائي: قراءة دستورية ومؤسساتية

خالد خالص

2025 / 9 / 7
دراسات وابحاث قانونية


تشكل العدالة أحد الأعمدة الجوهرية لدولة الحق والقانون، وهي لا تقوم إلا بجناحين متكاملين:
• القضاة: أصحاب سلطة الحكم والفصل في النزاعات.
• المحامون: أصحاب سلطة الدفاع وضمان حقوق المتقاضين.
هذا التوازن ليس ترفًا، بل يمثل ضمانة أساسية لتحقيق المحاكمة العادلة كما نص عليها الفصل 120 من دستور 30 يوليوز 2011.
إلا أن الدستور المغربي لم ينص صراحة على مهنة المحاماة
كمؤسسة دستورية، بخلاف ما فعل مع القضاة حيث أفرد لهم بابًا كاملاً تحت عنوان: "السلطة القضائية" (الفصول 107–116) ومنحهم مكانة دستورية صريحة كمكوّن أساسي من مكونات الدولة. بينما تبقى المحاماة مهنة حرة منظمة بقانون عادي، هو قانون مهنة المحاماة.
هذه المفارقة أفضت إلى منح المشرع الدستوري حضورًا لافتًا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في صياغة القوانين ذات الصلة بالقضاء، في حين لا زال المحامون يعانون من غياب دستوري، وهو ما يطرح إشكالية مؤسساتية كبرى.
1. المرتكزات الدستورية لمشاركة الفاعلين في التشريع
1.1 القضاة وحضورهم الدستوري
نص الفصل 113 من الدستور صراحة على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية:
"يبدي رأيه، بطلب من الملك، أو من الحكومة، أو من البرلمان، في كل مسألة تتعلق بسير القضاء، وفي كل مشروع قانون أو نص تنظيمي يخص القضاء."
وهذا يجعل استشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية إلزامية في مشاريع القوانين المرتبطة بالعدالة، وهو ما يمنح القضاة مكانة مؤسساتية قوية في صناعة التشريع.
1.2 المحامون وغياب الحضور الدستوري
على النقيض، لم ينص الدستور على إلزامية استشارة هيئات المحامين، رغم كونها شريكًا أصيلًا في منظومة العدالة. بل أُدرجت ضمن مقتضيات الفصل 12 باعتبارها جزءًا من "الفاعلين المدنيين"، إلى جانب الجمعيات والمنظمات غير الحكومية. وهذا التماثل يُفقدها وزنها المؤسساتي ويجعل حضورها في التشريع هامشيًا.
1.3 الفصل 13 وآليات التشاور
ألزم الفصل 13 من الدستور السلطات العمومية بإحداث هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية. غير أن التنزيل ظل محدودًا في إطار العرائض (القانون التنظيمي 64.14) والملتمسات (القانون التنظيمي 44.14)، دون أن يرقى إلى إشراك فعلي لهيئات المحامين في صياغة القوانين القضائية.
2. الممارسة العملية : من الاحترام إلى التهميش
تاريخيًا، كانت مشاريع القوانين المرتبطة بالعدالة والدفاع تعرض على جمعية هيئات المحامين بالمغرب منذ تأسيسها سنة 1962 باعتبارها الجهاز المنسق بين الهيئات، وكان يُرحَّب برأيها من قبل الحكومات المتعاقبة في إطار من الاحترام المتبادل، رغم أن رأيها كان استشاريًا غير ملزم.
إلا أن السنوات الأخيرة عرفت تراجعًا ملحوظًا؛ إذ باتت الاستشارة، إن تمت، تجري في كثير من الأحيان بنوع من التعالي والفوقية، وبعقلية إجرائية أكثر منها تشاركية، وهو ما يسيء إلى روح التعاون ويفرغ مبدأ المشاركة من محتواه.
هذا ما حصل مثلًا في مشروع قانون المسطرة المدنية (قرار المحكمة الدستورية رقم 255/25 بتاريخ 4 غشت 2025 أبرز بعض ثغراته)، وسيظهر أيضًا في مشاريع قوانين أخرى مثل قانون المسطرة الجنائية وقانون مهنة المحاماة. فرغم المذكرات المفصلة والندوات الوطنية والأيام الدراسية التي نظمتها هيئات المحامين، بقيت النصوص أقرب إلى التصورات الحكومية، بعيدًا عن مقترحات المحامين.
3. انعكاسات التغييب والتهميش : نصوص مثقلة بالاختلالات
إن تغييب المحامين أو إشراكهم صوريًا، إلى جانب غياب التفاعل الجدي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وضعف الأداء التشريعي للبرلمان، كلها عوامل تؤدي إلى إنتاج نصوص قانونية مشوبة باختلالات جوهرية.
وقد كشفت المحكمة الدستورية عن هذه الاختلالات في أكثر من قرار، من أبرزها القرار 255/25، الذي أسقط مواد متعددة لمخالفتها أحكام الدستور أو مساسها بضمانات الدفاع.
وبدل أن تكون القوانين أداة لحماية الحقوق وتعزيز الأمن القانوني، صارت في أحيان كثيرة مصدرًا للأزمات والطعون، لأنها تُصاغ في الغالب برؤية أحادية وتُمرَّر في البرلمان بأغلبية عددية، دون أن تستفيد من خبرة الفاعلين الحقوقيين والمهنيين.
4. المقارنة بالتجارب الدولية
• فرنسا: المجلس الوطني لنقابات المحامين (Conseil National des Barreaux) يُستشار إلزاميًا في مشاريع القوانين المتعلقة بالعدالة، ورأيه يُعتبر عنصرًا أساسيًا في المسار التشريعي.
• تونس: دستور 2014 نص صراحة على أن المحاماة "شريك في إقامة العدل"، وقانون المهنة يفرض استشارتها في مشاريع القوانين ذات الصلة.
هذه التجارب تؤكد أن إشراك المحامين ليس ترفًا أو مطلبًا فئويا، بل ضرورة لضمان جودة التشريع وصيانة الحقوق.
خاتمة وتوصيات
إن العدالة لا يمكن أن تُصان بجناح واحد. فإذا كان القضاة يحظون بحضور دستوري قوي في صياغة النصوص، فإن تغييب المحامين يجعل منظومة العدالة مختلة وغير متوازنة.
ولذلك، فإن معالجة هذا الخلل تستوجب:
1. التنصيص صراحة في الدستور أو القوانين التنظيمية على إلزامية استشارة جمعية هيئات المحامين بالمغرب أو المجلس الوطني للمحاماة المستقبلي في كل مشروع قانون يخص العدالة.
2. إعطاء قيمة إلزامية لرأي هذه الهيئات، أو على الأقل إلزام السلطتين التنفيذية والتشريعية بتعليل أي رفض لمقترحاتها.
3. التفكير في إحداث مجلس أعلى للتشريع يضم القضاة والمحامين والفاعلين الحقوقيين، لضمان جودة النصوص وتوازنها.
فالتشريع الجيد لا يصدر من رؤية أحادية، بل من حوار مؤسساتي متوازن يشارك فيه جميع الفاعلين، ضمانًا لعدالة متكاملة تصون الحقوق وتكرس الأمن القانوني.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات


.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف




.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود


.. أخبار الصباح | السودان يحكم غيابيا بإعدام حميدتي.. وتحرك دول




.. المقابلة | خالد محاجنة محامي هيئة الأسرى ونادي الأسير الفلسط