الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
السيّار… حين يتوقف الحديد وتتحرك القلوب
نعمة المهدي
2025 / 9 / 7الادب والفن
كان أحمد يجلس وحيداً في مقهى قديم، يحدّق في فراغ يتجاوز دخان النراجيل وضجيج المذياع. أمامه قدح شاي نصف فارغ، وفي داخله تتردد جملة واحدة كالنشيد: لسنا غرباء يا عم… نحن أولادك بالإنسانية وأولادك في نفس الوطن. ابتسم ابتسامة رطبة بالدمع، ولم يكن يعرف أن ما جرى اليوم سيترك أثراً أكبر مما تخيل.
النهار في مدينة الصدر كان صاخباً. سيارات مزدحمة، أصوات باعة، وحرارة شمس تتسلل كإبر نار. توقفت سيارة أحمد فجأة في منتصف الطريق، فانكمش قلبه كما تنكمش الأوراق اليابسة. فتح الباب، ترجل متردداً، نظر إلى السائقين الذين يرمقونه بعين ضجر. أحس بالعجز، وبأنه غريب في وطنه.
من بين الغبار جاء سامي، يقود دراجته الهوائية العتيقة. توقف، ابتسامة مشرقة على وجهه، شعره المبلل بالعرق يلمع في الضوء. قال ببساطة:
"ها عمي… خل نساعدك." كان صوته يحمل شيئاً لا يمكن وصفه؛ شيئاً من رومانسية الحياة البسيطة التي تجعل حتى المبادرات الصغيرة تبدو كإعلان حب للعالم.
لحق به سعد ومحمد ومحمود، بملابس السوق الملطخة بالغبار ورائحة الحديد. لم يسألوا الكثير، فقط انحنوا وبدأوا بالدفع. وفي أثناء الدفع، التفت أحمد ليلمح أنظارهم؛ كانوا يتبادلون نظرات الصداقة العميقة، كأنهم إخوة لا جمعتهم إلا لحظة عابرة.
بينما كانوا يضحكون من العناء، مرّت فتاة على الرصيف، تحمل حقيبة مدرسية زرقاء. لم يكن في خطوتها ما يلفت، لكن حين رفعت عينيها، صادفت عيني سعد. ابتسمت بخجل، ثم أسرعت بخطواتها. ارتبك سعد، شرد للحظة، وتعثرت يده على هيكل السيارة، فابتسم سامي قائلاً مازحاً: "ها سعد… السيارة أثقل من ابتسامة البنية؟" ضحكوا جميعاً، لكن قلب سعد بقي عالقاً عند تلك اللحظة، كأنه وجد سبباً خفياً ليحتمل تعب الشارع.
مرّت سيارة مسرعة كادت تدهسهم جميعاً. ارتفع الغبار، صرخت امرأة تبيع الشاي على الرصيف، مدّ سامي يده بسرعة وجذب أحمد جانباً. سقط العجوز على الرصيف، بينما ارتجفت أنفاسه. لكن تلك اليد التي أنقذته جعلته يشعر بأن العمر، مهما طال، لا يُقاس بالسنوات بل بالقلوب التي تحيط بك حين تنهار.
بعد أن استقرت السيارة جانب الطريق، قدّم محمد قنينة ماء بارد، وأعطى محمود هاتفه للعجوز ليخابر عائلته .
أراد أحمد أن يشكرهم، وقال:
"أنتم غرباء عني… فلماذا تتعبون أنفسكم؟"
أجاب سامي بابتسامة خفيفة، ووراءه لمعة عيون سعد التي ما زالت تبحث في الزحام عن الفتاة الزرقاء:
"لسنا غرباء يا عم… نحن أولادك بالإنسانية وأولادك في نفس الوطن."
ذلك المساء، حين جلس أحمد في المقهى يستعيد تفاصيل اليوم، كان قلبه مثقلاً بجملة سامي التي ما زالت ترنّ في أذنه. ابتسم وهو يرفع قدح الشاي إلى شفتيه. وبينما يحدّق من وراء الزجاج إلى الشارع المزدحم، لمح على الرصيف فتاة تحمل حقيبة زرقاء، تمشي بخطوات سريعة. للحظة رفعت رأسها، فالتقت عيناها بعيني سعد الذي كان يعبر الشارع. توقفت، ابتسمت بخجل، ثم تابعت سيرها.
لم تكن تلك الابتسامة طويلة، لكنها كانت كافية لتترك في قلب سعد وهجاً جديداً، كأنها تقول له: حتى في الفوضى، هناك دائماً ما يستحق الانتظار. أحمد من مكانه رأى المشهد، شعر أن ما حدث أمامه لم يكن مجرد صدفة، بل رسالة خفية من الحياة: أن التكافل لا يقتصر على دفع سيارة متعطلة، بل يمتد ليشمل القلوب، فتدفعها هي الأخرى نحو الأمل.
في تلك اللحظة، بين رجل مسن استعاد ثقته بالناس، وشابٍ اكتشف معنى ابتسامة عابرة، وبغداد التي تئن تحت أعبائها لكنها لا تنكسر… بدا المشهد كله كأنه وعد: الوطن، مهما حاولوا تفتيته، سيظل قادراً على إنجاب لحظات صغيرة، لكنها أعمق من كل شعارات العالم.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ردود فعل غاضبة جدا في إسرائيل على فيلم -نازا-.. ما أهمها ولم
.. فيلم «نازا».. جائزة في البندقية وعاصفة سياسية في إسرائيل
.. جو قديح بعد تكريمه في الموركس دور: المسرح مساحة حرّة للفكر و
.. باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء • فرانس 24
.. السفير الفرنسي لـ«الأيام»: التنوع في قلب الفرنكوفونية والبحر