الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الدفع بعدم الدستورية في المغرب: الحق المعطَّل ومخاطر التشريع بلا رقابة

خالد خالص

2025 / 9 / 7
دراسات وابحاث قانونية


مقدمة: حق دستوري معطل
جاء الفصل 133 من دستور 30 يوليوز 2011 بمستجد مهم يتمثل في إقرار آلية الدفع بعدم دستورية القوانين، التي تخوّل لأي طرف في نزاع قضائي الدفع بأن القانون المطبق على قضيته يمس الحقوق والحريات المضمونة دستوريا.
وكان يفترض في هذه الآلية أن تجعل المواطن شريكا في حماية الدستور، من خلال تمكينه من إثارة الرقابة على دستورية القوانين أمام المحاكم العادية والإدارية. غير أن هذا الحق ظل معلقا، لأنه مرتبط بصدور قانون تنظيمي يحدد شروطه وإجراءاته. ومع مرور أربعة عشر عاما، لم يصدر المشرع هذا القانون، وهو ما أبقى الفصل 133 حبراً على ورق.
أولاً: بين الرقابة السابقة واللاحقة – فراغ تشريعي خطير
بموجب الفصل 132 من الدستور، تحال وجوبا على المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والأنظمة الداخلية لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقها لتبث في مطابقتها للدستور.
ويظل حق إحالة القوانين العادية على المحكمة الدستورية حكرا على جهات محدودة: الملك، رئيس الحكومة، رئيسا مجلسي البرلمان، خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعون عضوا من مجلس المستشارين.
وبالتالي، فإن غياب الإحالة من المذكورة صفاتهم يعني أن أي قانون – حتى لو كان مخالفا للدستور – يدخل حيز التنفيذ وينتج آثاره. هنا تبرز خطورة غياب آلية الدفع بعدم الدستورية، لأنها كانت ستسمح للمواطنين والمتقاضين بالطعن في القوانين المخالفة للدستور عند تطبيقها عليهم.
ثانياً: مثال حي – قانون المسطرة الجنائية الجديد
القانون الجديد للمسطرة الجنائية (القانون رقم 03.23 المصادق عليه في 20 ماي 2025) -الذي يتنظر الآن نشره بالجريدة الرسمية- أفرز مقتضيات أثارت نقاشا دستوريا واسعا، لما تنطوي عليه من مساس بمبادئ أساسية كالحق في المساواة وولوج العدالة.
فالمادة 3، وإن هدفت إلى تنظيم تحريك الدعوى العمومية في الجرائم الماسة بالمال العام، فإنها حصرت المبادرة في جهات إدارية ورقابية محددة، مما يثير شبهة التمييز بين الضحايا ويضعف ضمانة المساواة أمام القانون.
أما المادة 7، فرغم إقرارها بحق الجمعيات في الانتصاب طرفاً مدنيا، فقد قيدت هذا الحق بشروط شكلية مشددة من قبيل ضرورة التمتع بصفة المنفعة العامة، مرور أربع سنوات على التأسيس، والحصول في بعض الحالات على إذن من وزارة العدل، وهو ما يشكل قيوداً غير متناسبة على ممارسة حق التقاضي.
ورغم جسامة هذه الإشكالات، لم تعرض هذه المقتضيات وباقي المقتضيات الغير دستورية التي سيطول الوقوف عندها فبالأحرى شرحها، على رقابة المحكمة الدستورية، لتصبح نافذة بحكم النشر، وهو ما يكشف عن قصور في آليات المراقبة اللاحقة للدستورية.
ثالثاً: قرار المحكمة الدستورية لسنة 2018 – صفعة دستورية
ويؤكد هذا الوضع ما سبق أن وقفت عنده المحكمة الدستورية في قرارها عدد 70/18 بتاريخ 6 مارس 2018، حين صرحت بعدم دستورية مشروع القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين برمته، لا بسبب مضمونه، وإنما لعيب شكلي جوهري تمثل في عدم عرضه على المجلس الوزاري كما يفرضه الفصل 49 من الدستور.
هذا التعثر كشف بوضوح عن قصور الجهاز التنفيذي وضعف الجهاز التشريعي، إذ تعاملا مع القانون التنظيمي كما لو كان مجرد قانون عادي، متجاهلين أو جاهلين الفارق الجوهري بينهما. وهو ما اعتبرته المحكمة مساسا بصرامة المسطرة الدستورية.
لقد شكل هذا القرار صفعة قانونية وسياسية لوزارة العدل وللبرلمان آنذاك، وأدى إلى تأجيل تفعيل آلية الدفع بعدم الدستورية لسنوات إضافية، ليظل الفصل 133 حبراً على ورق، وتتعمق بذلك الهوة بين النص الدستوري والواقع التشريعي.
رابعاً: المخاطر المترتبة عن غياب الدفع بعدم الدستورية
إضعاف الرقابة القضائية: اقتصار دور المحكمة الدستورية على الإحالات السياسية أو المؤسساتية فقط.
إقصاء المواطن من الرقابة: المواطن، وهو المخاطب الأول بالقانون، محروم من حق الطعن في دستوريته.
تهديد الحقوق والحريات: القوانين المخالفة للدستور تبقى نافذة وتطبق رغم تعارضها مع أحكامه.
تفريغ الفصل 133 من محتواه: الآلية التي كان يعول عليها كـ "حصن لاحق" لحماية الدستور ظلت معطلة.
خاتمة: بين النص الدستوري والإرادة السياسية
إن غياب القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية يمثل ثغرة دستورية عميقة، تبقي الحقوق والحريات مجرد وعود دستورية غير قابلة للنفاذ. فالمحكمة الدستورية، مهما بلغت صرامتها في الرقابة السابقة، تبقى عاجزة عن مراقبة القوانين التي لم تعرض عليها، ما لم تفعّل الرقابة اللاحقة عبر آلية الدفع بعدم الدستورية.
لقد كان من المفترض أن يشكل هذا الدفع الحارس الأخير للدستور بيد المواطن، لكن تعطيله لسنوات طويلة جعل الفصل 133 فارغا من المضمون، وأبقى مصير الحقوق الدستورية رهينا بالإحالات السياسية والمؤسساتية المحدودة.
ومع ذلك، فإن الأمل لا زال حيا إذ تشير المعطيات الأخيرة إلى أن مشروع القانون التنظيمي الخاص بالدفع بعدم الدستورية جاهز منذ مدة وربما سيعرض على المجلس الوزاري في أكتوبر أو نونبر من السنة الجارية. وإذا تحقق ذلك، فسيكون بمثابة خطوة منتظرة منذ ما يناهز العقد ونصف، تعيد التوازن للمنظومة القانونية، وتمنح المواطن أخيرا الوسيلة العملية لحماية حقوقه الدستورية.
إلا أن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بمجرد إخراج النص، بل بمدى صرامة ضماناته ووضوح إجراءاته، حتى لا يتحول إلى آلية شكلية جديدة، بل إلى أداة حقيقية لصيانة الحقوق والحريات، وتكريس دولة الحق والقانون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق


.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات




.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف


.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود




.. أخبار الصباح | السودان يحكم غيابيا بإعدام حميدتي.. وتحرك دول