الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الألم لا يُشوّه الجمال ، لكنه يكشف عنه
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 9 / 8الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
دائماً ما كنت أعتقد ولازلت حتى الآن ، و أرى أننا حين ننظر إلى المرآة ، فنحن لا نرى مجرد وجوهنا أو أجسادنا ، بل نرى معنى وجودنا منبثقًا كـ أسئلة ؛ حيث الذات تسأل لكي تصف نفسها ، من انا؟ ، هل أنا هذا الجسد؟ ، هل جسدي هو مجرد قيد ام أداة للتحرر؟ ، واليوم في عصر الصور والترندات والذكاء الاصطناعي ، نجد فن الجسد يعيد طرح هذه الأسئلة لا من خلال الكتب ، بل من خلال اللحم والدم ، ومن خلال التجربة العارية ، وعن طريق الجسد ؛ و إن فن الجسد ليس مجرد نوع من الفنون ، بل هو موقف وجودي-راديكالي ، يجعل من الجسد مركزاً للمعرفة وأساسًا للتساؤلات ، و مسرحاً للصراع ؛ حيث الفرد هو تلك العلامة التي لا تعرف حدوداً للمعنى ، وسطحًا يُكتب عليه المعنى.
والجسد في التقليد الفلسفي الغربي الكلاسيكي ظل مهملاً ، مثل سؤال الكينونة أو مجرد تابع للعقل ؛ حيث أننا نجد أن الجسد من أفلاطون إلى ديكارت قد ظل خارج معادلة الوجود ، حتى في اللاهوت المسيحي ظل الجسد رمزاً للسقوط وللمحرم ، لكن عندما بدأت بذور الفلسفة الوجودية في النمو ؛ تبين لنا في خطاب نيتشه ، وهايدجر ، و ميرلو-بونتي ، وسارتر الفلسفي ، أن الجسد يمكن أن يستعاد كـ الطريقة التي نوجد بها في العالم ، وهو أيضًا ذلك الوسط بين الذات والعالم ، لكن فن الجسد لم يكن مجرد نوع من الفن ظهر في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين ، بل كان لحظة ثورة جمالية وميتافيزيقية على سمات الفن التقليدية ، والقيم البرجوازية ، و الجماليات النمطية.
ومن هنا أصبح الفنانون لم يعودوا يرسمون الجسد ، لأنهم أصبحوا يقومون بـ استخدامه كـ أداة ، و كـ مساحة للتعبير عن الرأي والذات ، و كـ قصيدة حية تتناول القيم الوجودية للفرد ، كـ مواضيع جمالية إنسانية. ومن المعلوم أن الفلسفة الوجودية ، هي فلسفة ترى في الألم صدى للكينونة ؛ لأن الألم في الجسد ليس عطبًا أو ضعفًا ، بل هو لغة ، وليس هدفًا لأنه بوابة نحو الوعي ، نحو ذلك الوعي الذي يقوم بنزع الجسد من صمته ، من أجل أن يُجبرك على الاصغاء إليه ، لا كـ مجرد مادة ، بل كـ كائن يشعر ويتذكر ويتحدى ، ونحن اليوم بحاجة إلى هذا الفن ، لأنه يوقظ الحواس ، و يُعيد إلينا ملكيتنا لأجسادنا ، و لأن أجسادنا في الشرق والغرب ، لم تعد ملكنا وحدنا ، فإن فن الجسد هو ذلك الخط الأخير بين الإنسان والآلة ، وبين الصدق والاستعراض ، بين تذكر الذات أو نسيانها ...
ولا أستطيع أن أذكر فن الجسد ، بدون ذكر الفنانة مارينا أبراموڤيتش التي وُلدت في صربيا عام ١٩٤٦ ، ونشأت في بيئة صعبة ؛ حيث نشأت في ظل الصرامة والانضباط ، حتى أن والدتها قد فرضت عليها نظام حياة متزمت ، ومنعتها من الخروج ليلاً حتى سن التاسعة والعشرون ، وهكذا نرى أن جسد مارينا أبراموڤيتش لم يُصنع عن طريق الحب ، بل صنع عن طريق القسوة ، وقد ظهر هذا الأمر على أعمالها بشكل واضح ؛ حيث نجد الشعور بالعزلة والوحدة متغلغلاً في كل أعمالها ، لكنها قاومت طفولتها ونشأتها هذه ، عن طريق الفن ؛ حيث قد جعلت من الفن وسيلة للبحث عن الحميمية والاحتواء ، بدلاً من الانتظار السلبي لهما!
ومثلما بدأت قضايا الفلسفة الوجودية في التشكل في مناخ ما بعد الحرب ، فإن مارينا أبراموڤيتش قد بدأت تكتشف فن الأداء ، في مناخ فني ما بعد الحرب ؛ حيث أصبحت اللوحة والكلمة غير كافيتين في هذه الفترة ، و قد مارست أبراموڤيتش العديد من الأعمال الصادمة بالنسبة إلى الجمهور ، مثل عملها الفني (Rhythm 0) ؛ حيث وضعت جسدها تحت تصرف الجمهور! ، وعند النظر في فكرة عملها هذا ، يبدو أنها تحاول إستعادة السيطرة التي فقدتها في نشأتها ، عن طريق فقدانها الطوعي لها ... ، وبهذا فهي تخلص نفسها من كل خوف عبر الموقف الوجودي.
ومن ما سبق ، يمكننا القول بأن فن مارينا أبراموڤيتش هو حياتها ، وفلسفتها هي ما تعبر عنه عن طريق جسدها ، ومارينا لم تصنع "أعمالاً" ، بل قامت بصنع صيرورة وجودية حية ؛ حيث إنها جعلت من آلام طفولتها فناً ، ومن حبها طقسًا أدائيًا ، ومن وحدتها تأملاً جماليًا ، وهكذا وضحت كيف أن حياتها دائماً ما كانت بالنسبة إليها دوماً ، تلك المادة الخام لفن الأداء وفن الجسد الذين تمارسهما.
• الجسد أداة فلسفية
مارينا أبراموڤيتش لا ترى الجسد بوصفه مادةً فسيولوجية فحسب ، بل تراه كـ موقع للوجود الإنساني ، و مجالٍ تُجرى فيه اختبارات الفرد للوعي والحدود ؛ حيث إن الفن الحقيقي من وجهة نظر مارينا ، هو ذلك الفن الذي يبدأ حين تجهد الجسد إلى ما وراء قدرته المعتادة. وهنا يبدو أن مارينا عندما تقوم باستدعاء فعل الأداء ، فهي بذلك تستخدم المعنى الهايدجري للكينونة ؛ حيث يكون الجسد "هُنا" بالكامل ، مُلقى في العالم ، غير قابل للفصل عن زمانه ومكانه ، ومارينا بوعيها بـ جسدها فهي تقوم بـ تحويل جسدها إلى لغة ما قبل اللغة ، أو إلى هذه الصرخة من الوجود الإنساني العاري أمام مرآة الجماعة.
وهذا ما يتضح في عملها (Rhythm 0) ؛ حيث وضعت جسدها تحت تصرّف الجمهور مع عدة أدوات (من الريشة إلى المسدس) ، و أصبح جسدها موقعاً لتجلي العنف الرمزي والمادي ، وليس عملها هذا مجرد صدمة بصرية للحضور ، بل هو اختبار فلسفي للعلاقة بين الأخلاق والجمال ، وبين السلطة والرغبة ، وهنا يتضح فعل مارينا أبراموڤيتش الفلسفي ؛ حيث إنها تقترب من التقاليد الصوفية ، بسبب أنها تقوم بـ جعل جسدها مستهلكًا لـيُطهَّر ، وتقوم أيضاً بجعل الألم حدثًا ابتسمولوجيًا ؛ حيث تجعل الجمهور يُسائل نفسه أكثر مما يُسائل الفنانة ؛ لأنه يقوم بـ مراجعة أجندته الأخلاقية معيدًا للنظر فيها ، وهكذا عرفنا أن مرينا ترى أن الألم لا يُشوّه الجمال ، لكنه يكشف عنه ، و لأن الأداء الجسدي المؤلم ليس عرضاً للمعاناة أو عنها ، بل هو إعلان عن الصدق ، وعن أهمية التجربة الوجودية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رئيس مجلس أمناء جامعة لوسيل علي بن فطيس المري: يعد عهد الأمي
.. أمريكا وإيران.. تصعيد ميداني في قلب مسار دبلوماسي
.. تصعيد ليلي جديد.. سلسلة انفجارات تهز المواقع الاستراتيجية في
.. خارج الصندوق | البند الخامس ينسف مذكرة التفاهم.. سر تصاعد أز
.. خارج الصندوق | ينتظر موافقة إيران.. تفاصيل المقترح العماني ل